الاثنين، 21 أبريل 2008

دلالات لسانية

شوارد
صابر الحباشة

التخصّص مرغوب فيه وعنه

قد لا يكون من المبالغة في شيء اعتبار كلّ قطاع معرفيّ ذا خصوصية أسلوبية في العلوم الإنسانية. فمعجم القضاء يختلف عن أساليب علماء اللسانيات والأدباء يختلفون عن متعاطي الصحافة، والمتفلسفة ذوو أساليب غير متداولة عند المؤرخين... وكذا الشأن بالنسبة إلى كلّ قطاع معرفي من هذه القطاعات. غير أن هذه الملاحظة الساذجة العامة، لا ينبغي أن تحجب عنا أنّ كثيرا ممن يتصدّون للعلوم الإنسانية يصدرون عن أكثر من موقع معرفي، فتجد الباحث الواحد يختلف إلى نصوص التاريخ ويعالج متون الفلسفة ويلم بكتابات علماء الأنثروبولوجيا [الإناسة]... في جمع تتطلبه تعقيدات دراسة الإنسان، من حيث هو كائن متعدد الأبعاد. ومن ثمة فلا مندوحة للباحث – وإن تخصص ودقّ تخصُّصُه – من أن يردف ذلك بمنظورات أخرى من خارج تخصّصه حتى يستوي نظره في المسائل التي يهتم بها ولا تكون قراءته أحادية أو منقوصة.
وههنا نتذكر وجهة نظر توماس كون صاحب كتاب بنية الثورات العلمية الذي يرى أنّ إبداع مناويل ونظريات جديدة، قد يتطلب من المتخصص أن يخرج طوعا من زاوية نظر تخصصه الضيق التي قد تحشره في مضايق معينة، وهذا الخروج قد يساهم في تفتق ذهن الباحث عن حلول (تخاطرية، علمية، حدسية، ...) لما يلم به في تخصصه الدقيق من اعتياصات واشتباهات أحيانا.
ولكن ما أودّ الإشارة إليه، في هذا السياق، هو ما يعتور كتابة الباحثين في الإنسانيات من لمسات بيانية ولمحات أدبية، قد لا تكون مُستساغة في نطاق اللوائح والأعراف الأكاديمية المضبوطة التي تحارب المجاز، وإن وصفته ودرسته، وهنا نتذكر عنوان كتاب صديقنا على الديري مجازات بها نرى الذي يعارض فيه (بالمعنى البلاغي لكلمة "معارضة") عنوان لايكوف وجونسن الاستعارات التي بها نحيا. لقد عادت الأساليب البيانية لتغزو الخطاب الاستدلالي في عقر داره، أي في الفلسفة والمنطق. وصار المؤلفون يهتمون بتشذيب استعارات ومجازات تكون بمثابة الأيقونات التي تلخص مشهدا كاملا وتختصر رؤية للكون تامة.
ولكن يبقى خلط الحابل بالنابل هو الأمر المرفوض تماما، أعني أن يستغل ذو الموهبة الضعيفة تداخل العلوم الإنسانية وتنافذها وتداول مباحثها بين بعضها بعضا، من أجل وضع أعمال من الغثاثة بمكان، فلا هي في العير ولا في النفير؛ إذ لا تفيد القارئ علما ولا تزيده فهما، ولا تزرع فيه حيرة حيّة، بل هي ثرثرة ولكن بعيدا عن النيل، والمعذرة للراحل نجيب محفوظ، عن المعارضة!



قراءات

أسئلة النّقد والقراءة فـي الشعر العربيّ:
مفاتيح المنهج وآفاق التأويل
* عبد الرزاق جمايعي
مقدمة:
إنّ قراءة الشعر العربي كانت وما تزال مسألة منهجية تحتاج إلى نظرة شمولية تخرج النصّ من هيمنة التاريخ وتجعل الفنّ متحررا من الإسقاطات النفسية والاجتماعية للقارئ، بحيث يصبح فعل القراءة منتجا، لا عبارة عن مجال نصي وحيّز ورقي يتخذه الناقد لبث خواطره وانطباعاته، حول الشعر العربي.
ولا نجد في دراسات الشعر العربي، على كثرتها، طرافة في التناول ولا إيرادا لأفكار جديدة تغذي رؤية للشعر تستحق التأمّل والتدبّر.

حديث المقدمات

في هذا السياق نودّ قراءة كتاب نقديّ صدر عن دار الإتحاف للنّشر (تونس) أنشأه صـابر الحباشة اجترح له عنوانا مهره بـ"الإقليد" وأردفه بعنوان فرعيّ يترجم غرابة العنوان ويفكّك سننه وهو "مقاربات لأدب فريد". وإذا كانت كلمة "الإقليد" تعني المفتاح في معناها المباشر والسّاذج فهي تسمية غير بريئة، مخاتلة تخفي رسالة لا ندرك كنهها إلاّ بقراءة متن الكتاب. إنّ عنوان الكتاب يعد بتقديم مفتاح لمباشرة الشأن الإبداعيّ أو النصّ الأدبيّ غير أنّ المقالات التي ضمّنت فيه لا تقدم مفتاحا واحدا بل مفاتيح متعدّدة للنّصوص الإبداعية والنّقدية وهي نصوص تراوحت بين المتن التراثي والمتن الحداثيّ استرفد لها الباحث عُدّة نظريّة وجهازا مفاهيميّا متنوّعا يعكس وعيه بنوعيّة النصوص التي اشتغل عليها. ونلمس وجاهة مقاربته منذ العتبات النّصية الأولى للكتاب إذ قال في التقديم: " يجد القارئ في هذا الكتاب قراءات لنصوص من الأدب العربي قديمه وحديثه أجرينا فيها المناهج البلاغية والبنيويّة والأسلوبية والأغراضية دون أن نلتزم في ذلك بحرفيّة أي منها" ( الإقليد، مقاربات لأدب فريد ، ص5).
لئن كان هذا التّقديم من قبيل الميثاق الذّي يتعاقد عليه المؤلّف مع القارئ فيفي الثاني بالشروط والسبل المسطورة في ذلك الميثاق ويباشر فعل القراءة متحررا من سلطة المناهج وإكراهاتها. ففي متن الكتاب من النتائج ما يحتاج إلى التثمين والتّثبيت وفيه أيضا ما يفتح مسالك مشرعةً على السؤال والنقاش وحسبنا أن نتناول مشروعه مقالة مقالة للوفاء بكفاية القراءة ومستلزمات الإنصاف.

* إشكاليات نقد الشعر
استهلّ الباحث كتابه بمقالة جرى القول فيها حول مسأليّة النّقد القديم وقد وسمها المؤلّف تحت إشكالية" من "إشكاليّات نقد الشّعر في العمدة" لـ"ابن رشيق". وقد عدل صاحب المقالة عن مألوف الخطاب الرائج حول النّقد القديم ليتناول قضيّة لها وشائج متينة بالمباحث البلاغية ومباحث الإعجاز وتتمثل في التراتبيّة القائمة بين القرآن والنّص الشعريّ، لينتهي إلى فكرة خطيرة لعلّ السؤال المنتج لها هو: هل إنّ أفضلية النصّ القرآني ببيانه وفصاحته على الشعريّ هي أفضليّة أدبيّة فقط؟ أم هي أفضليّة تحتكم إلى معايير أخرى متعالية على النّصّين المقدّس والدنيويّ؟
إنّ مكمن الخطورة الخلاّقة في هذا السؤال الذي يختزل مقاربة الباحث يتجلّى في تحفيز المتلقّي إلى مساءلة النّصوص النقدية القديمة عن الأسس المتحكّمة في معاييرها الجماليّة والتصنيفية. ولذلك توصّل الباحث عبر التنقيب عن الأسئلة الثاوية خلف حجب النظرية النقدية كما تجلّت في "العمدة لابن رشيق" في مسألية التراتبية بين بيان القرآن وبيان الشعر إلى الوقوف على وجوه الحرج الذي وجدته المؤسسة النقدية ممثلة في نموذج "ابن رشيق" في مباشرته النصّ الأدبيّ برؤية ظاهرها أدبيّ بيانّي وجذورها لاهوتية، كلامية، تفرض على الناقد الإقرار بأفضلية النصّ القرآنيّ على النصّ الشعري عبارةً ورؤيةً جماليةً. واعتبر الباحث أنّ هذه التراتبية انعكاس لتراتبية نصّ مقدّس سماويّ على نصّ دنيويّ أرضيّ. وانتهى إلى التسليم بكون هذه الرؤية البيانية من قبيل المقاربة التي سيّجت الخطاب النقدي ووجّهت جمهور النقّاد إلى قراءة النصّ الأدبي وفق نظرة لا تخرج عن إجماع علماء الفقه والإعجاز، مستندا في ذلك إلى نماذج مبثوثة في متن "العمدة" تدلّل على مقايسة وجوه البلاغة في الشعر على وجوه البلاغة في القرآن بالإضافة إلى مقايسة الخطاب الشعري على النص القرآني في الوقع. ممّا يشي بانشداد النّاقد القديم أثناء تقويمه للنّصّ الأدبيّ إلى سلطة أخرى تملي عليه إكراهاتها لحظة القراءة. غير أنّ الباحث لم يتساءل عن الأسباب البعيدة المتحكّمة في هيمنة البعد العقائديّ على المؤسسة النقدية القديمة. إذ لا تعود التراتبية فقط إلى هيمنة المقدّس "النص لقرآني" على "المدنّس" أي الخطاب الشعريّ وذلك بحجبه لموقع الصدارة التي كان يحتلّها ذلك النصّ لدى العرب بل تعود التراتبية أساسا إلى الصراع الكائن بين رأس مال رمزي يحفّ بالقرآن ونظيره المقترن بالشعر حيث سعى الأول إلى احتكار مجال الصدارة في الضمير الإسلامي ونقض ما هو قائم يرتقي إلى مرتبة المقدّس لدى الجمهور الذي تربّى على تقبّل الشعر في المقام الأوّل. ولذلك حارب القرآن سلطان الشعر فاعتبر أنّ مؤسستة مقترنة بمؤسّسة السحر ومؤسّسة الكهانة فحقّقت نتيجة هذا الصراع القيم الرمزية المرتبطة بالشعر وبوضع الشاعر في فضاء القبيلة ثمّ تاليا الدولة ليستعاض عنها بسلطة الخطاب الدينيّ والنصّ القرآني. ولعلّ ذلك ما تفصح عنه الأخبار المقترنة بالشعراء المخضرمين والطبقات التي صنّفوا فيها "فالأصمعيّ" مثلا في حديثه عن "حسّان بن ثابت" يرى أنّ شعره في الجاهلية أَجْوَد وأمتن صناعةً من شعره الذي نظمه في شطر حياته الأخير وهو مُسلم وذلك لأثر العامل الدينيّ شعره أو ما سمّاه بـ"حال النبوّة". وبالإضافة إلى هذا الصّراع بين رأس المال الرمزيّ المقترن بالقرآن نلحظ موت وظائف رمزية تبادلية ينهض بها الشاعر وميلاد أخرى بعد الحدث الإسلاميّ لذلك لا يمكن التسليم فقط بانحسار الصراع بين القرآن والشعر حول التراتبية في أفق بيانيّ فحسب.

* قراءة أبي نواس، مجدّدا
لئن خصّص الباحث المقالة الأولى من كتابه لمتن نظريّ نقديّ قديم فقد عُنِيَ في المقالة الثانية والثالثة بعالم "أبي نواس الشعريّ"، فتوصّل إلى نتائج لا تعدم لطف النظر وإصابة المقصد نظرا إلى تفطّنه إلى زوايا مُعتمة في النصّ النواسيّ أغفلها القوم على الرغم من كثرة البحوث والدراسات التي حبرت في شأن الشاعر وشعره. ففي المقالة الثانية من الكتاب حدّد السمات الفنّية والأسلوبيّة التي تفرّد بها أبو نواس عن أضرابه من الشعراء فوسمت طريقته المخصوصة في تقريض القريض ونسجه. ومن تلك السمات الأصول نقف مع الباحث على سرّ الصناعة لدى أبي نواس ماثلا في اعتماده لآلية "المبالغة" وإجرائها في مستويات الموضوع أوالمعاني المطروقة ثم الصورة الفنية والحقول المعجمية، أمّا المظهر الثاني الذي مثّل عنوان براعة الشاعر في نظر الباحث فهو متجسّد لديه في صناعة المعنى وذلك من خلال إسراف الشاعر في استخدام جملة من الأساليب البديعية كالتصدير والتوليد. ويضاف إلى هذا المظهر مظهر ثالث تشكّل في اختصاص أبي نواس حسب الباحث بطريقة فنية مستحدثة خاصة في الخمريات تتمثل في توسيع الصورة أفقيا وعموديا واستقصاء جزئياتها وترشيح المعنى عبر استفراغ شحنته الدلالية بالمبالغة في وصف الخمرة واللهج بأسمائها الحسنى وتعداد مناقبها على المجاز. لئن وقف صاحب المقال على مظاهر العدول الجماليّ عن السُّنّة القديمة في النصّ النّواسيّ وأصاب في تلبُّثه مليّا بذلك النص، فقد اعترت مقالته شوائبُ لا تنفي أمر المركزية فيه من ذلك ذكره لوجوه حضور "المبالغة" في شعر أبي نواس وعدم تفسيره للمصطلح على الرغم من رواجه لدى البلاغيين القدامى والنقاد الأسلاف والمحدثين على شاكلة "أدونيس". كما لم يؤكّد على كيفية اشتغال تلك الآلية أفقيا وعموديّا وما ينجم عنها من آثار دلالية في النص الشعري. ثمّ ومن تلك الشوائب إغفاله لكيفية تقبّل غلوّ "أبي نواس" في استعمال البديع من قبل المؤسّسة النقدية لبتي قرأت النصّ المُحدَث بضرب من الاستهجان واعتبرته "شعرًا مشكلاً من جهات عديدة: مشكل من جهة صلته بالقديم ومشكل من جهة بنيته ومشكل من جهة قراءته وتقويمه" (انظر: شكري المبخوت (1993)، جمالية الألفة، تونس، بيت الحكمة، ص 103).
لئن رصد الباحث ما هو مشترك من سمات إبداعية في النصّ الجامع لأبي نواس فقد تدرّج من الكلّي إلى الجزئيّ على عادة المناطقة للاستدلال على إبداعية أبي نواس وذلك بتحليل مِدْحَةٍ نظمها الشاعر في الخليفة العباسيّ وهو ما أتاه في المقالة الثالثة. ومَثَّلَ تحليلُه نقضا لفرضيّة سعى إلى دحضها وهي "نفي صفة الشعرية عن أغلب نصوصه (أي الشاعر) غير الخمرية" لذا دلّل الباحث من خلال تحليله لقصيدة "ظلّ جناحه"على سمات الشعرية وأماراتها. فأبان عنها من حلال برهنته على قدرة أبي نواس على مضاهاة فحول الشعراء في نظمهم لمدائحهم فكشف عن التزامه بالنهج الرسميّ لنظم المِدْحَة في مستوى بنائها الثلاثيّ ثم تحايله على ذلك البناء عبر اختزال قسم النسيب وإدماجه لمعان جديدة توسّع فيها ـ تتعلّق بالفخر بالخمرة والتخرّق في البذل عليها وذلك في تداخل مع ما يعرف بقسم الرحلة. أمّا المستوى الثالث للشعرية فقد أبان عنه في الصفات التي رصدها الشاعر لممدوحه والمعاني التي أخرجها لتجسيد مظاهر كرمه وسؤدده وصلاحه. ولئن عُدّت هذه المعاني تقليدية، فإنّ ما يُحسب لأبي نواس إيغالُه في ركوب آلة المبالغة لإخراج تلك المعاني التي تعدّ من مستلزمات الفتوّة ومن مستلزمات الرصيد القيميّ الذي يتوفّر عليه السادة، وهو أمر لم يتوسّع فيه الباحث ولو تطرّق إليه لنفذ إلى جوانب فنّيّة تبين عن المقدرة الشعرية لأبي نواس في غرض المدح!

* الرحيل والصورة في شعر المتنبّي: قراءة القراءة
ولمّا كان الباحث ملتزما باستيفاء النظر في النصوص المعالم في التراث النقديّ و الأدبيّ القديم فقد ختم الباب الأول من كتابه بالنّظر في كتاب "صورة الرحيل ورحيل الصورة" للباحث"خالد الوغلاني" وهو كتاب صدر عن دار الجنوب للنشر. وفيه وقف على تجلّيات فعل الرحلة في الكتاب المذكور بوصفها حركة مادّيّة وحركة شعريّة عكست رغبة المتنبّي العاتية في التمرّد على سنن القول بابتكار صور ومعان شعرية جديدة، لينتهيَ إلى اعتبار الرحلة في شعر المتنبّي انعكاسا لتجربة وجودية ومعاناة يكابدها الشاعر من أجل نقلها إلى مستويات مختلفة داخل النصّ.

* قراءات الأدب الحديث
وإذا يمّمنا وجوهنا شطر الباب الثاني وهو باب عنونه الباحث بـ"مقاربات في الأدب الحديث" ألفيناه يستهلّ عمله بمبحث حول الشابّيّ ليخوض في موضوع الطفولة بوصفها غرضا شعريّا يقع في منطقة التجاذب بين قطبيْ الواقع و "اليوطوبيا"، وهذان القطبان هما القوّتان المحرّكتان للفعل الشعريّ لكونه فعلا يروحه التخييل والحلم دون أن يتنصّل من مؤثّرات التجربة الذاتية وطبيعة حضورها في الكون. والمبحث الذي رصده "الحباشة" للشّابّيّ يسمح أوفر قسم من كتابه (من ص54إلى ص73) طريف في حدّ ذاته ووجه الطرافة فيه نظرة الباحث إلى موضوع الطفولة من زوايا جديدة إذ لم تعد معه إشكالا رومنطيقيا بل صارت تجلّيا من تجلّيات الزمن في شعر الشّابّيّ. وهو ليس من قبيل الزمن المعيش الذي تدركه الذات على نحو بسيط ساذج وتحدّده بمراجع ترادف تجاربها في الحياة. بل هو زمن كثيف محمّل بطاقة شعورية يكتسب خصوصيّة لكونه ملاذ الشّاعر، منتج لمعان شعرية ثرّة وقادح لجملة من الإحداثيات الدّلالية. يقول الباحث :
"فذكرى الطفولة وخيالها تسيطر وتطغى على عالمه وحياته النفسية فمن الناحية النفسية المحضة يسهل أن نقف على كون الشاعر يستجيب في شعره لرغبات نفسيّة كامنة في فترة الطفولة كتبت ، فكان الشعر حلاًّ اجتماعيا نفسيا لها بما يجعله يوفق بين نزعات النفس ولمسات الفنّ المتجسّم في ملَكة الشّعر الذّي "ابتلي بها" و "شقي بحيازتها".
إنّ المهمَّ - في نظرنا- في هذه المقالة اقتدارُ الباحث على تأكيد أنّ معنى الطفولة هو معنى ناظمٌ في شعر الشابّيّ ترتدّ إليه بقيّة المعاني. وقد توصّل "الحباشة" إلى البرهنة على إنتاجيّة هذا المعنى دلاليّا بفضل التوسّل بمقاربة دلالية تستأنس بالمنجز النّظريّ في العلوم العرفانية وأدبيات علم النّفس فوصل المعنى المنبثق في رحم اللّغة بذات الشاعر وما يحتمل في لا شعورها وبكيفية استبطانها لمراحل حياتها وتجاربها الشخصية. ولمّا كان النظر في نصّ الشابّيّ من قبيل النّظر الذي يقود إلى الخوض في مسأليّة الحداثة وإرهاصات التجريب في الشعر العربي فقد واصل الباحث مساءلة النصوص المركّبة في مشهد الحداثة ومنجزات روّادها من أمثال "نزار قبّاني" و "محمود درويش" ليقف على تجلّياتها وأماراتها ماثلة في منجزيْ الشاعرين بتفاوت. فلئن فرض مشروع التّحديث على شاعر مثل "قبّاني" الاعتناء بجمالية الإبهار أو ما سمّاه الباحث بالبنية التصويرية عبر ما يُعرَف بتقنيات التّجسيد والتّبئير وإشراك الحواس في التقاط مواطن فتنة المرأة مبثوثةً في جزئيّة من جزئيّات جسدها. فإنّ نصّه يطرح حسب الباحث أسئلة أخرى تتعلّق بإشكالية التّحديث تدفعنا حسب الباحث إلى مساءلة مستويات فنيّة أخرى ودلاليّة تتعلّق بجوانب أسلوبية وسيميائيّة كتوظيف الشّاعر للبنى الإيقاعية والتّنويع فيها كتعامله الذّكي والخلاّق مع المنجز الشعريّ القديم عبر محاورته محاورة أضاءت العمق المفقود في تاريخنا. وإنّ ما يُحسب للباحث قدرتُه على الوقوع على أسرار الصّناعة الشعرية لدى "نزار" وإبراز مواطن الوهن في النصّ.
* خاتمة
ولئن بدت منجزات الحداثة في نصّ قبّاني منسربةً في مستويات متعدّدة، فهي ماثلة في أعمال محمود درويش في "البنى الإيقاعية" وبالإضافة إلى قدرته كسر الأنساق التعبيرية المألوفة لخلْق صور وعوالم شعرية نرى معها أوساعا جديدة للمعنى وذلك عبر ما يسمّى بعمليّة الانحراف الدّلالي. وهو ما أبان عنه الباحث في المقالات التي ختم بها كتابه.



مقاربات

اتجاه الروايـة الجديـدة
من الأصل الفرنسيّ إلى التوطين في الحقل العربي:
إضاءات نقديـة ورؤية فنية
*صابر الحباشة

* تمهيد
إذا سلّمنا بأن الرواية فنّ حديث المنشأ غربيّ المنبت، فإنّه من الجائز مقاربة اتجاهات الرواية الغربية المعاصرة قصد التعرف إلى خصائصها الفنية ويمكننا بعد ذلك أن نتطلّع إلى تأثر الروايين العرب بها.
وفي هذا الإطار نحاول تبيّن بعض الخصائص الفنية وبعض المحطات التاريخية لاتجاه متميز من اتجاهات الرواية، ظهر في أوروبا منتصف القرن الماضي، هو اتجاه "الرواية الجديدة".

الرواية الجديدة حركة غير متجانسة

لا تشكّل "الرواية الجديدة" حركة أدبية متجانسة تتغيّا هدفا محدّدا بطريقة مضبوطة. لذلك اختلف توجّه ناتالي سارّوت عن ميشال بوتور مثلما اختلف عن كلود سيمون ومارغريت دورا وألان روب غرييه، فكل واحد من هؤلاء اتبع مسلكا خاصا به...
ولعلّ أهمّ ما يسم الروائيّ الثوريّ ليس سوى طموحه وقدرته التخييلية واقتداره على التأليف وهي الحدود التي يفرضها على أثره أي المرفوضات والمقبولات من الأفكار والرؤى والمواقف التي يُقابل بها الواقع المحيط به. وقد كان المبدع، قديما، إلاهَ شخصياته ينظّم حياتها على هواه ويحرمها من الحرية ويسلّط نفوذه المطلق على فكرها وعلى أعمالها، حتى لكأنه مازوشيّ. أما الآن أي في نطاق التصوّر العام المشترك تقريبا بين روائيي تيار "الرواية الجديدة"، فقد أصبح الواحد منهم لا يعلم شيئا ويرتاب من كل شيء، فلم تعد الرواية رسما للعالم بل تمرينا للتصفية والتنقية من التفاصيل والزوائد، وهي ترفض أن تكون أثرا فنيا خالصا مُهمِلة جمال الشكل الباطني، إذ لا تهتمّ بالجمال الشكليّ، ولا تسترضي الذوق بل تعدل عن ذلك الثابت الروائي ألا وهو رغبة التملص إذ يمكن القول إنها بهذا المعنى تزهد في الحكائيّ إذا اشتمل ذلك الحكائيّ على عرض مشهديّ لتجربة معيشة أو يمكن أن تعاش... المغامرة ، العجيب، الغريب، كلّها مفقودة في الرواية المعاصرة... بل هي تزهد في اللذة الجمالية وتعدل عن الاستجابة لرغبة التملص، فهي ترفض ضمنيا التسلية.

الرواية الجديدة وعصر الريبة

باختصار لقد دخل الروائي فيما تسميه ناتالي ساروت "عصر الريبة" مستشهدة بأمثال جويس وبروست وكافكا. ممّا يؤكّد أنّ الرواية ينبغي أن تتوقف عن أن تكون وصفا لكائنات، لتتحول سؤالا عن الكون. ومن هنا يتأتى الازدراء الذي يظهره الروائي "للشخصية" التي توقفت هكذا عن أن تكون المركز الحيّ الذي تنتظم الأحداث حوله ونزع الروائي عنها شيئا فشيئا كلَّ ما يجعل منها إنسانا فهي تميل إلى أن تكون شبحا لا نسمع إلاّ صوته- فـ"الروائي" الخفيّ عند ألان روب غرييه، و"أنتم" الضمير الوسيط بين ضميري المتكلم والغائب يتوجه به ميشال بوتور إلى بطل رواية "التعديل" والصور الغنائية الخاطفة لكلود سيمون.. هكذا يتخذ الروائي مسافات تجاه بطل لا يعدّ له وجود شهواني .
ويختلف ساروت وغرييه، مُنَظِّرَا حركة "الرواية الجديدة" جذريّا حول موضوع الرواية. فإذا كانت ناتالي ساروت ترى أن موضوع الرواية يبقى دائما الحقيقة النفسية ولكنها تعتبر أن بلوغ أعماقها يتمّ بإهمال التحليل والالتصاق بالسلوك الذي نتناوله عبر أشد المحادثات تفاهة، فالوسيلة المستعملة إذن هي الحوار الملتقط للحركات التي تسميها ن.ساروت "ماتحت المحادثة".
إذا كان ذلك موقف ساروت، فإنّ ألان روب غرييه يرى أنّ الهدف المطلوب بلوغه ليس الوجود النفسي بل العالم، فليس على الرواية أن تسعى إلى عمق خاطئ بل ينبغي أن تصبح "بصرية وصفية" ومن ثمّ كانت الأهمية الرئيسية المعطاة للشيء .

الرواية والإبداع والقراءة

فالرواية في هذا التيار لا تقع على الطريق المؤدّي من الواقع، إلى انعكاسه بل على الطريق الرابط بين إبداع وقراءة. فلم يعد هناك بالنسبة إلى القارئ قدر يضطلع به في المخيال بل فتنة تصيب. ولا تتأسس الفتنة الروائية في "الرواية الجديدة" على إمكانية مُشاكلة الواقع أي مطابقته، ولكن تتأسس على التكرار والاقتراح، ولا ترجع القيم الملحة إلى وصف نفسيّ ولكن إلى ورشة الافتتان. إذ يقترح الروائيّ أن يفرض على القارئ محتوى ذهنيا، ولا يكون ذلك أحيانا عبر الشخصية المسخّرة.
ويحترم ميشال بوتور أطر الزمان والمكان في روايته "التعديل" إذ نعيش تمشيا بطيئا لحالات وعي. فـ"التعديل" هي مناجاة رجل عدل طوال رحلته من باريس إلى روما شيئا فشيئا عن تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه أي التخلّي عن زوجته وأطفاله والعيش في روما مع عشيقته. فكان استعمال ضمير "أنتم" كإيقاع الملحّ لتلك الجمل الطويلة الملتفّة، كان مجهودا لدعوة القارئ إلى التطابق – إذا صحت العبارة- مع محتوى وعي خيالي، أو بالأحرى لفرض محتوى وعي وقتي خيالي على القارئ أثناء القراءة.
وهو مجهود يذكرنا بأحد توجهات "الرواية الجديدة" غير أنه مُعبَّر عنه هنا (أي في رواية "التعديل") في شكل نحويّ شديد السذاجة، لأننا عندما نقرأ رواية فمهما كانت مشاركتنا لوجهة نظر الشخصية شديدة الكثافة، فإننا نظلّ نراها على شاشتنا الباطنية، مثل شخص ينفصل عنا ويعرض علينا مشهدا.

ورشة الرواية

فورشة كلّ من بوتور وروب غرييه تنزع إلى إجراء رقيا، فهذا الوعي الذي نُستدعَى إلى أن نجعله وعينا، يكرر دون هوادة صورا وأغراضا تأخذ أحيانا قيمة أسطورية. فواقعية بوتور في رواية "التعديل" هي واقعية أسطورية إذ يجد الوعي فيها نماذج أصلية. وحتى روب غرييه فقد قصّ على طريقته حكاية أوديب في روايته "المماحي". وعلى كل حال فإننا نجد في كثير من آثار "الرواية الجديدة" نقلا لبنى أسطورية في واقعية كثيرة التفاصيل.
يسجل كُتّاب "الرواية الجديدة" عن طواعية سرّا في صلب كتبهم: ففي رواية "تصريف الزمن" لبوتور، يتعلق الأمر بفكّ مزخرفة زجاجية وتفكيك رواية بوليسية والوصول بذلك إلى سرّ المدينة. وعُقَد روب غرييه البوليسية تعرض ألغازها وقد عرّف ميشال بوتور الرواية يوما بأنها "خيال ماكر" مُلفّق لتشويش ذهن القارئ وكثيرا ما تنعدم إحداثيات الزمان والمكان في "الرواية الجديدة" والرواية تظل ملغزة فقط لأنّها ترفض إعطاء مداخلها ومخارجها للقارئ كي يعيد بناءها. ويهتمّ الروائي بعرض حركات وأشياء وأقوال على قارئه- وخاصة محتويات ذهنية حيث المشهد واقعي أو حلمي أو متخيَّل أو مشوّه من قبل الذهن. ولكن متى نكون في الواقع، ومتى نكون في الذكرى أو الحُلم؟ وحتى المحتويات الذهنية كالحوارات الباطنية ليست منقولة دائما عن شخصية تعيشها بطريقة صريحة. أحدهم يتكلم: منْ هو؟ يعسر على الأقل في بداية الرواية تعيين من أُسندت إليه هذه المناجاة.

مغامرات الرواية الجديدة الفنية

وقد عرّف ميشال بوتور الرواية سنة 1956 بأنّها استقصاء قاصدا في البدء أن يقول إنه على الروائي أن يتعهّد تجديد أشكال القصّ. وتُمثِّل آثار بوتور مثال البحث / الاستقصاء الذي يتورّط في اتجاهات مختلفة على التوالي. ونعرّف "الرواية الجديدة" عن طيب خاطر بأن نقدمها بوصفها سلسلة من المغامرات الجمالية بما تفترضه من مجازفات إذ قد يحدث أن تؤدي بعض المغامرات إلى طرق مسدودة. فالروائي يتعلق بكشف ارتقاء نحو الحكاية وبانعدام إمكانية الالتحاق بها حكايةً. ولم يعد الروائيّ واضعا يده على الحقيقة ومؤتمَنا على سرّ. فلا يقصّ حكاية بل يقدم فقط بعض المقتطفات وعلى القارئ أن يحاول إعادة تشكيلها. فالرواية الحديثة مثل لعبة البازل إذ يحدث أحيانا أن نفشل في إعادة تنظيمها. والرواية بأكملها تقع في عدم إمكانية أدائها فالروائي يبذل جهودا ليقول ما يعرفه ولكن في غموض. فتصبح الروايةُ روايةَ الروايةِ التي لن تُكتب لأنّها لا يمكن أن تكون وقد اعتبر جان بول سارتر رواية ناتالي ساروت "صورة مجهول" (1956) رواية مضادّة وقال: "يتعلّق الأمر بنكران الروايةِ ذاتَها وبتقويضها تحت أعيننا في الوقت ذاته الذي يلوح لنا فيه أننا نشيّدها وبكتابة رواية الرواية التي لا تتم". والواقع أن حجز الوجود يمنع كتابة الرواية.
فالرواية الجديدة قلّما تنبثق عن أزمة سطحية تتعلّق بصفاء الجنس الأدبي أو بقيمته بل تنبثق عن عدم إمكانية قصّ حكاية ما إن نفكّر من قريب في ما يفترضه فعل القص الوحيد. بأي حق نكتب ولنقول ماذا؟ فالوجود يطغى على كل ما يمكن لنا قوله. لم ننتهِ قَطُّ من الواقع وفي البداية، بم نبدأ إذا أردنا أن نحكيَ؟ .
مثل هذه الأسئلة تحيلنا على مراجع "الرواية الجديدة" فروائيو هذا التيار تأثروا كثيرا بالفيمنولوجيا والوجودية والبنيوية .
وعلى العموم، فخصوبة ورشة "الرواية الجديدة" لم تعد تحتاج إلى فضل بيان.
ويمكن أن تظهر الآثار المنتجة صارمةً ومتشدّدةً ومن ثمة فهي مخصّصة لقارئ هو ذاته من صنف جديد. ويكفي الاهتمام الذي أثارته في فرنسا وخارجها والأبحاث والتعاليق التي استلهمتها و"الانتعاش" اللغويّ والنظريّ الذي أجرته و"الشواغل" النصّية التي جعلتها "الرواية الجديدة" قابلة للقراءة وخاصة القطائع الإيديولوجية التي وضّحتها، يكفي كل ذلك لبيان أنّ هذه الآثار طبعت بطريقة حاسمة الأدب الفرنسي في منتصف هذا القرن .

أسئلة ختامية

فهل استفاد الروائيون العرب من هذا "الإرث" النظريّ والإبداعي في تعديل آثارهم وتوجيهها نحو هذا المسلك المتفرّد؟ وهل يكفي الله الروائيين العرب مؤونة الجهاد الإبداعي في طرق هذا النهج تقليدا واقتداء؟ أم هل يحتاجون إلى طبع رواياتهم بمياسم محلّية وعربية تُعرّب "الرواية الجديدة" كما تعرّبت من قبلها الرومنسية على أيدي الشابي وجبران والوجودية على يدي محمود المسعدي؟

ليست هناك تعليقات: