شوارد
صابر الحباشة
التخصّص مرغوب فيه وعنه
قد لا يكون من المبالغة في شيء اعتبار كلّ قطاع معرفيّ ذا خصوصية أسلوبية في العلوم الإنسانية. فمعجم القضاء يختلف عن أساليب علماء اللسانيات والأدباء يختلفون عن متعاطي الصحافة، والمتفلسفة ذوو أساليب غير متداولة عند المؤرخين... وكذا الشأن بالنسبة إلى كلّ قطاع معرفي من هذه القطاعات. غير أن هذه الملاحظة الساذجة العامة، لا ينبغي أن تحجب عنا أنّ كثيرا ممن يتصدّون للعلوم الإنسانية يصدرون عن أكثر من موقع معرفي، فتجد الباحث الواحد يختلف إلى نصوص التاريخ ويعالج متون الفلسفة ويلم بكتابات علماء الأنثروبولوجيا [الإناسة]... في جمع تتطلبه تعقيدات دراسة الإنسان، من حيث هو كائن متعدد الأبعاد. ومن ثمة فلا مندوحة للباحث – وإن تخصص ودقّ تخصُّصُه – من أن يردف ذلك بمنظورات أخرى من خارج تخصّصه حتى يستوي نظره في المسائل التي يهتم بها ولا تكون قراءته أحادية أو منقوصة.
وههنا نتذكر وجهة نظر توماس كون صاحب كتاب بنية الثورات العلمية الذي يرى أنّ إبداع مناويل ونظريات جديدة، قد يتطلب من المتخصص أن يخرج طوعا من زاوية نظر تخصصه الضيق التي قد تحشره في مضايق معينة، وهذا الخروج قد يساهم في تفتق ذهن الباحث عن حلول (تخاطرية، علمية، حدسية، ...) لما يلم به في تخصصه الدقيق من اعتياصات واشتباهات أحيانا.
ولكن ما أودّ الإشارة إليه، في هذا السياق، هو ما يعتور كتابة الباحثين في الإنسانيات من لمسات بيانية ولمحات أدبية، قد لا تكون مُستساغة في نطاق اللوائح والأعراف الأكاديمية المضبوطة التي تحارب المجاز، وإن وصفته ودرسته، وهنا نتذكر عنوان كتاب صديقنا على الديري مجازات بها نرى الذي يعارض فيه (بالمعنى البلاغي لكلمة "معارضة") عنوان لايكوف وجونسن الاستعارات التي بها نحيا. لقد عادت الأساليب البيانية لتغزو الخطاب الاستدلالي في عقر داره، أي في الفلسفة والمنطق. وصار المؤلفون يهتمون بتشذيب استعارات ومجازات تكون بمثابة الأيقونات التي تلخص مشهدا كاملا وتختصر رؤية للكون تامة.
ولكن يبقى خلط الحابل بالنابل هو الأمر المرفوض تماما، أعني أن يستغل ذو الموهبة الضعيفة تداخل العلوم الإنسانية وتنافذها وتداول مباحثها بين بعضها بعضا، من أجل وضع أعمال من الغثاثة بمكان، فلا هي في العير ولا في النفير؛ إذ لا تفيد القارئ علما ولا تزيده فهما، ولا تزرع فيه حيرة حيّة، بل هي ثرثرة ولكن بعيدا عن النيل، والمعذرة للراحل نجيب محفوظ، عن المعارضة!
قراءات
أسئلة النّقد والقراءة فـي الشعر العربيّ:
مفاتيح المنهج وآفاق التأويل
* عبد الرزاق جمايعي
مقدمة:
إنّ قراءة الشعر العربي كانت وما تزال مسألة منهجية تحتاج إلى نظرة شمولية تخرج النصّ من هيمنة التاريخ وتجعل الفنّ متحررا من الإسقاطات النفسية والاجتماعية للقارئ، بحيث يصبح فعل القراءة منتجا، لا عبارة عن مجال نصي وحيّز ورقي يتخذه الناقد لبث خواطره وانطباعاته، حول الشعر العربي.
ولا نجد في دراسات الشعر العربي، على كثرتها، طرافة في التناول ولا إيرادا لأفكار جديدة تغذي رؤية للشعر تستحق التأمّل والتدبّر.
حديث المقدمات
في هذا السياق نودّ قراءة كتاب نقديّ صدر عن دار الإتحاف للنّشر (تونس) أنشأه صـابر الحباشة اجترح له عنوانا مهره بـ"الإقليد" وأردفه بعنوان فرعيّ يترجم غرابة العنوان ويفكّك سننه وهو "مقاربات لأدب فريد". وإذا كانت كلمة "الإقليد" تعني المفتاح في معناها المباشر والسّاذج فهي تسمية غير بريئة، مخاتلة تخفي رسالة لا ندرك كنهها إلاّ بقراءة متن الكتاب. إنّ عنوان الكتاب يعد بتقديم مفتاح لمباشرة الشأن الإبداعيّ أو النصّ الأدبيّ غير أنّ المقالات التي ضمّنت فيه لا تقدم مفتاحا واحدا بل مفاتيح متعدّدة للنّصوص الإبداعية والنّقدية وهي نصوص تراوحت بين المتن التراثي والمتن الحداثيّ استرفد لها الباحث عُدّة نظريّة وجهازا مفاهيميّا متنوّعا يعكس وعيه بنوعيّة النصوص التي اشتغل عليها. ونلمس وجاهة مقاربته منذ العتبات النّصية الأولى للكتاب إذ قال في التقديم: " يجد القارئ في هذا الكتاب قراءات لنصوص من الأدب العربي قديمه وحديثه أجرينا فيها المناهج البلاغية والبنيويّة والأسلوبية والأغراضية دون أن نلتزم في ذلك بحرفيّة أي منها" ( الإقليد، مقاربات لأدب فريد ، ص5).
لئن كان هذا التّقديم من قبيل الميثاق الذّي يتعاقد عليه المؤلّف مع القارئ فيفي الثاني بالشروط والسبل المسطورة في ذلك الميثاق ويباشر فعل القراءة متحررا من سلطة المناهج وإكراهاتها. ففي متن الكتاب من النتائج ما يحتاج إلى التثمين والتّثبيت وفيه أيضا ما يفتح مسالك مشرعةً على السؤال والنقاش وحسبنا أن نتناول مشروعه مقالة مقالة للوفاء بكفاية القراءة ومستلزمات الإنصاف.
* إشكاليات نقد الشعر
استهلّ الباحث كتابه بمقالة جرى القول فيها حول مسأليّة النّقد القديم وقد وسمها المؤلّف تحت إشكالية" من "إشكاليّات نقد الشّعر في العمدة" لـ"ابن رشيق". وقد عدل صاحب المقالة عن مألوف الخطاب الرائج حول النّقد القديم ليتناول قضيّة لها وشائج متينة بالمباحث البلاغية ومباحث الإعجاز وتتمثل في التراتبيّة القائمة بين القرآن والنّص الشعريّ، لينتهي إلى فكرة خطيرة لعلّ السؤال المنتج لها هو: هل إنّ أفضلية النصّ القرآني ببيانه وفصاحته على الشعريّ هي أفضليّة أدبيّة فقط؟ أم هي أفضليّة تحتكم إلى معايير أخرى متعالية على النّصّين المقدّس والدنيويّ؟
إنّ مكمن الخطورة الخلاّقة في هذا السؤال الذي يختزل مقاربة الباحث يتجلّى في تحفيز المتلقّي إلى مساءلة النّصوص النقدية القديمة عن الأسس المتحكّمة في معاييرها الجماليّة والتصنيفية. ولذلك توصّل الباحث عبر التنقيب عن الأسئلة الثاوية خلف حجب النظرية النقدية كما تجلّت في "العمدة لابن رشيق" في مسألية التراتبية بين بيان القرآن وبيان الشعر إلى الوقوف على وجوه الحرج الذي وجدته المؤسسة النقدية ممثلة في نموذج "ابن رشيق" في مباشرته النصّ الأدبيّ برؤية ظاهرها أدبيّ بيانّي وجذورها لاهوتية، كلامية، تفرض على الناقد الإقرار بأفضلية النصّ القرآنيّ على النصّ الشعري عبارةً ورؤيةً جماليةً. واعتبر الباحث أنّ هذه التراتبية انعكاس لتراتبية نصّ مقدّس سماويّ على نصّ دنيويّ أرضيّ. وانتهى إلى التسليم بكون هذه الرؤية البيانية من قبيل المقاربة التي سيّجت الخطاب النقدي ووجّهت جمهور النقّاد إلى قراءة النصّ الأدبي وفق نظرة لا تخرج عن إجماع علماء الفقه والإعجاز، مستندا في ذلك إلى نماذج مبثوثة في متن "العمدة" تدلّل على مقايسة وجوه البلاغة في الشعر على وجوه البلاغة في القرآن بالإضافة إلى مقايسة الخطاب الشعري على النص القرآني في الوقع. ممّا يشي بانشداد النّاقد القديم أثناء تقويمه للنّصّ الأدبيّ إلى سلطة أخرى تملي عليه إكراهاتها لحظة القراءة. غير أنّ الباحث لم يتساءل عن الأسباب البعيدة المتحكّمة في هيمنة البعد العقائديّ على المؤسسة النقدية القديمة. إذ لا تعود التراتبية فقط إلى هيمنة المقدّس "النص لقرآني" على "المدنّس" أي الخطاب الشعريّ وذلك بحجبه لموقع الصدارة التي كان يحتلّها ذلك النصّ لدى العرب بل تعود التراتبية أساسا إلى الصراع الكائن بين رأس مال رمزي يحفّ بالقرآن ونظيره المقترن بالشعر حيث سعى الأول إلى احتكار مجال الصدارة في الضمير الإسلامي ونقض ما هو قائم يرتقي إلى مرتبة المقدّس لدى الجمهور الذي تربّى على تقبّل الشعر في المقام الأوّل. ولذلك حارب القرآن سلطان الشعر فاعتبر أنّ مؤسستة مقترنة بمؤسّسة السحر ومؤسّسة الكهانة فحقّقت نتيجة هذا الصراع القيم الرمزية المرتبطة بالشعر وبوضع الشاعر في فضاء القبيلة ثمّ تاليا الدولة ليستعاض عنها بسلطة الخطاب الدينيّ والنصّ القرآني. ولعلّ ذلك ما تفصح عنه الأخبار المقترنة بالشعراء المخضرمين والطبقات التي صنّفوا فيها "فالأصمعيّ" مثلا في حديثه عن "حسّان بن ثابت" يرى أنّ شعره في الجاهلية أَجْوَد وأمتن صناعةً من شعره الذي نظمه في شطر حياته الأخير وهو مُسلم وذلك لأثر العامل الدينيّ شعره أو ما سمّاه بـ"حال النبوّة". وبالإضافة إلى هذا الصّراع بين رأس المال الرمزيّ المقترن بالقرآن نلحظ موت وظائف رمزية تبادلية ينهض بها الشاعر وميلاد أخرى بعد الحدث الإسلاميّ لذلك لا يمكن التسليم فقط بانحسار الصراع بين القرآن والشعر حول التراتبية في أفق بيانيّ فحسب.
* قراءة أبي نواس، مجدّدا
لئن خصّص الباحث المقالة الأولى من كتابه لمتن نظريّ نقديّ قديم فقد عُنِيَ في المقالة الثانية والثالثة بعالم "أبي نواس الشعريّ"، فتوصّل إلى نتائج لا تعدم لطف النظر وإصابة المقصد نظرا إلى تفطّنه إلى زوايا مُعتمة في النصّ النواسيّ أغفلها القوم على الرغم من كثرة البحوث والدراسات التي حبرت في شأن الشاعر وشعره. ففي المقالة الثانية من الكتاب حدّد السمات الفنّية والأسلوبيّة التي تفرّد بها أبو نواس عن أضرابه من الشعراء فوسمت طريقته المخصوصة في تقريض القريض ونسجه. ومن تلك السمات الأصول نقف مع الباحث على سرّ الصناعة لدى أبي نواس ماثلا في اعتماده لآلية "المبالغة" وإجرائها في مستويات الموضوع أوالمعاني المطروقة ثم الصورة الفنية والحقول المعجمية، أمّا المظهر الثاني الذي مثّل عنوان براعة الشاعر في نظر الباحث فهو متجسّد لديه في صناعة المعنى وذلك من خلال إسراف الشاعر في استخدام جملة من الأساليب البديعية كالتصدير والتوليد. ويضاف إلى هذا المظهر مظهر ثالث تشكّل في اختصاص أبي نواس حسب الباحث بطريقة فنية مستحدثة خاصة في الخمريات تتمثل في توسيع الصورة أفقيا وعموديا واستقصاء جزئياتها وترشيح المعنى عبر استفراغ شحنته الدلالية بالمبالغة في وصف الخمرة واللهج بأسمائها الحسنى وتعداد مناقبها على المجاز. لئن وقف صاحب المقال على مظاهر العدول الجماليّ عن السُّنّة القديمة في النصّ النّواسيّ وأصاب في تلبُّثه مليّا بذلك النص، فقد اعترت مقالته شوائبُ لا تنفي أمر المركزية فيه من ذلك ذكره لوجوه حضور "المبالغة" في شعر أبي نواس وعدم تفسيره للمصطلح على الرغم من رواجه لدى البلاغيين القدامى والنقاد الأسلاف والمحدثين على شاكلة "أدونيس". كما لم يؤكّد على كيفية اشتغال تلك الآلية أفقيا وعموديّا وما ينجم عنها من آثار دلالية في النص الشعري. ثمّ ومن تلك الشوائب إغفاله لكيفية تقبّل غلوّ "أبي نواس" في استعمال البديع من قبل المؤسّسة النقدية لبتي قرأت النصّ المُحدَث بضرب من الاستهجان واعتبرته "شعرًا مشكلاً من جهات عديدة: مشكل من جهة صلته بالقديم ومشكل من جهة بنيته ومشكل من جهة قراءته وتقويمه" (انظر: شكري المبخوت (1993)، جمالية الألفة، تونس، بيت الحكمة، ص 103).
لئن رصد الباحث ما هو مشترك من سمات إبداعية في النصّ الجامع لأبي نواس فقد تدرّج من الكلّي إلى الجزئيّ على عادة المناطقة للاستدلال على إبداعية أبي نواس وذلك بتحليل مِدْحَةٍ نظمها الشاعر في الخليفة العباسيّ وهو ما أتاه في المقالة الثالثة. ومَثَّلَ تحليلُه نقضا لفرضيّة سعى إلى دحضها وهي "نفي صفة الشعرية عن أغلب نصوصه (أي الشاعر) غير الخمرية" لذا دلّل الباحث من خلال تحليله لقصيدة "ظلّ جناحه"على سمات الشعرية وأماراتها. فأبان عنها من حلال برهنته على قدرة أبي نواس على مضاهاة فحول الشعراء في نظمهم لمدائحهم فكشف عن التزامه بالنهج الرسميّ لنظم المِدْحَة في مستوى بنائها الثلاثيّ ثم تحايله على ذلك البناء عبر اختزال قسم النسيب وإدماجه لمعان جديدة توسّع فيها ـ تتعلّق بالفخر بالخمرة والتخرّق في البذل عليها وذلك في تداخل مع ما يعرف بقسم الرحلة. أمّا المستوى الثالث للشعرية فقد أبان عنه في الصفات التي رصدها الشاعر لممدوحه والمعاني التي أخرجها لتجسيد مظاهر كرمه وسؤدده وصلاحه. ولئن عُدّت هذه المعاني تقليدية، فإنّ ما يُحسب لأبي نواس إيغالُه في ركوب آلة المبالغة لإخراج تلك المعاني التي تعدّ من مستلزمات الفتوّة ومن مستلزمات الرصيد القيميّ الذي يتوفّر عليه السادة، وهو أمر لم يتوسّع فيه الباحث ولو تطرّق إليه لنفذ إلى جوانب فنّيّة تبين عن المقدرة الشعرية لأبي نواس في غرض المدح!
* الرحيل والصورة في شعر المتنبّي: قراءة القراءة
ولمّا كان الباحث ملتزما باستيفاء النظر في النصوص المعالم في التراث النقديّ و الأدبيّ القديم فقد ختم الباب الأول من كتابه بالنّظر في كتاب "صورة الرحيل ورحيل الصورة" للباحث"خالد الوغلاني" وهو كتاب صدر عن دار الجنوب للنشر. وفيه وقف على تجلّيات فعل الرحلة في الكتاب المذكور بوصفها حركة مادّيّة وحركة شعريّة عكست رغبة المتنبّي العاتية في التمرّد على سنن القول بابتكار صور ومعان شعرية جديدة، لينتهيَ إلى اعتبار الرحلة في شعر المتنبّي انعكاسا لتجربة وجودية ومعاناة يكابدها الشاعر من أجل نقلها إلى مستويات مختلفة داخل النصّ.
* قراءات الأدب الحديث
وإذا يمّمنا وجوهنا شطر الباب الثاني وهو باب عنونه الباحث بـ"مقاربات في الأدب الحديث" ألفيناه يستهلّ عمله بمبحث حول الشابّيّ ليخوض في موضوع الطفولة بوصفها غرضا شعريّا يقع في منطقة التجاذب بين قطبيْ الواقع و "اليوطوبيا"، وهذان القطبان هما القوّتان المحرّكتان للفعل الشعريّ لكونه فعلا يروحه التخييل والحلم دون أن يتنصّل من مؤثّرات التجربة الذاتية وطبيعة حضورها في الكون. والمبحث الذي رصده "الحباشة" للشّابّيّ يسمح أوفر قسم من كتابه (من ص54إلى ص73) طريف في حدّ ذاته ووجه الطرافة فيه نظرة الباحث إلى موضوع الطفولة من زوايا جديدة إذ لم تعد معه إشكالا رومنطيقيا بل صارت تجلّيا من تجلّيات الزمن في شعر الشّابّيّ. وهو ليس من قبيل الزمن المعيش الذي تدركه الذات على نحو بسيط ساذج وتحدّده بمراجع ترادف تجاربها في الحياة. بل هو زمن كثيف محمّل بطاقة شعورية يكتسب خصوصيّة لكونه ملاذ الشّاعر، منتج لمعان شعرية ثرّة وقادح لجملة من الإحداثيات الدّلالية. يقول الباحث :
"فذكرى الطفولة وخيالها تسيطر وتطغى على عالمه وحياته النفسية فمن الناحية النفسية المحضة يسهل أن نقف على كون الشاعر يستجيب في شعره لرغبات نفسيّة كامنة في فترة الطفولة كتبت ، فكان الشعر حلاًّ اجتماعيا نفسيا لها بما يجعله يوفق بين نزعات النفس ولمسات الفنّ المتجسّم في ملَكة الشّعر الذّي "ابتلي بها" و "شقي بحيازتها".
إنّ المهمَّ - في نظرنا- في هذه المقالة اقتدارُ الباحث على تأكيد أنّ معنى الطفولة هو معنى ناظمٌ في شعر الشابّيّ ترتدّ إليه بقيّة المعاني. وقد توصّل "الحباشة" إلى البرهنة على إنتاجيّة هذا المعنى دلاليّا بفضل التوسّل بمقاربة دلالية تستأنس بالمنجز النّظريّ في العلوم العرفانية وأدبيات علم النّفس فوصل المعنى المنبثق في رحم اللّغة بذات الشاعر وما يحتمل في لا شعورها وبكيفية استبطانها لمراحل حياتها وتجاربها الشخصية. ولمّا كان النظر في نصّ الشابّيّ من قبيل النّظر الذي يقود إلى الخوض في مسأليّة الحداثة وإرهاصات التجريب في الشعر العربي فقد واصل الباحث مساءلة النصوص المركّبة في مشهد الحداثة ومنجزات روّادها من أمثال "نزار قبّاني" و "محمود درويش" ليقف على تجلّياتها وأماراتها ماثلة في منجزيْ الشاعرين بتفاوت. فلئن فرض مشروع التّحديث على شاعر مثل "قبّاني" الاعتناء بجمالية الإبهار أو ما سمّاه الباحث بالبنية التصويرية عبر ما يُعرَف بتقنيات التّجسيد والتّبئير وإشراك الحواس في التقاط مواطن فتنة المرأة مبثوثةً في جزئيّة من جزئيّات جسدها. فإنّ نصّه يطرح حسب الباحث أسئلة أخرى تتعلّق بإشكالية التّحديث تدفعنا حسب الباحث إلى مساءلة مستويات فنيّة أخرى ودلاليّة تتعلّق بجوانب أسلوبية وسيميائيّة كتوظيف الشّاعر للبنى الإيقاعية والتّنويع فيها كتعامله الذّكي والخلاّق مع المنجز الشعريّ القديم عبر محاورته محاورة أضاءت العمق المفقود في تاريخنا. وإنّ ما يُحسب للباحث قدرتُه على الوقوع على أسرار الصّناعة الشعرية لدى "نزار" وإبراز مواطن الوهن في النصّ.
* خاتمة
ولئن بدت منجزات الحداثة في نصّ قبّاني منسربةً في مستويات متعدّدة، فهي ماثلة في أعمال محمود درويش في "البنى الإيقاعية" وبالإضافة إلى قدرته كسر الأنساق التعبيرية المألوفة لخلْق صور وعوالم شعرية نرى معها أوساعا جديدة للمعنى وذلك عبر ما يسمّى بعمليّة الانحراف الدّلالي. وهو ما أبان عنه الباحث في المقالات التي ختم بها كتابه.
مقاربات
اتجاه الروايـة الجديـدة
من الأصل الفرنسيّ إلى التوطين في الحقل العربي:
إضاءات نقديـة ورؤية فنية
*صابر الحباشة
* تمهيد
إذا سلّمنا بأن الرواية فنّ حديث المنشأ غربيّ المنبت، فإنّه من الجائز مقاربة اتجاهات الرواية الغربية المعاصرة قصد التعرف إلى خصائصها الفنية ويمكننا بعد ذلك أن نتطلّع إلى تأثر الروايين العرب بها.
وفي هذا الإطار نحاول تبيّن بعض الخصائص الفنية وبعض المحطات التاريخية لاتجاه متميز من اتجاهات الرواية، ظهر في أوروبا منتصف القرن الماضي، هو اتجاه "الرواية الجديدة".
الرواية الجديدة حركة غير متجانسة
لا تشكّل "الرواية الجديدة" حركة أدبية متجانسة تتغيّا هدفا محدّدا بطريقة مضبوطة. لذلك اختلف توجّه ناتالي سارّوت عن ميشال بوتور مثلما اختلف عن كلود سيمون ومارغريت دورا وألان روب غرييه، فكل واحد من هؤلاء اتبع مسلكا خاصا به...
ولعلّ أهمّ ما يسم الروائيّ الثوريّ ليس سوى طموحه وقدرته التخييلية واقتداره على التأليف وهي الحدود التي يفرضها على أثره أي المرفوضات والمقبولات من الأفكار والرؤى والمواقف التي يُقابل بها الواقع المحيط به. وقد كان المبدع، قديما، إلاهَ شخصياته ينظّم حياتها على هواه ويحرمها من الحرية ويسلّط نفوذه المطلق على فكرها وعلى أعمالها، حتى لكأنه مازوشيّ. أما الآن أي في نطاق التصوّر العام المشترك تقريبا بين روائيي تيار "الرواية الجديدة"، فقد أصبح الواحد منهم لا يعلم شيئا ويرتاب من كل شيء، فلم تعد الرواية رسما للعالم بل تمرينا للتصفية والتنقية من التفاصيل والزوائد، وهي ترفض أن تكون أثرا فنيا خالصا مُهمِلة جمال الشكل الباطني، إذ لا تهتمّ بالجمال الشكليّ، ولا تسترضي الذوق بل تعدل عن ذلك الثابت الروائي ألا وهو رغبة التملص إذ يمكن القول إنها بهذا المعنى تزهد في الحكائيّ إذا اشتمل ذلك الحكائيّ على عرض مشهديّ لتجربة معيشة أو يمكن أن تعاش... المغامرة ، العجيب، الغريب، كلّها مفقودة في الرواية المعاصرة... بل هي تزهد في اللذة الجمالية وتعدل عن الاستجابة لرغبة التملص، فهي ترفض ضمنيا التسلية.
الرواية الجديدة وعصر الريبة
باختصار لقد دخل الروائي فيما تسميه ناتالي ساروت "عصر الريبة" مستشهدة بأمثال جويس وبروست وكافكا. ممّا يؤكّد أنّ الرواية ينبغي أن تتوقف عن أن تكون وصفا لكائنات، لتتحول سؤالا عن الكون. ومن هنا يتأتى الازدراء الذي يظهره الروائي "للشخصية" التي توقفت هكذا عن أن تكون المركز الحيّ الذي تنتظم الأحداث حوله ونزع الروائي عنها شيئا فشيئا كلَّ ما يجعل منها إنسانا فهي تميل إلى أن تكون شبحا لا نسمع إلاّ صوته- فـ"الروائي" الخفيّ عند ألان روب غرييه، و"أنتم" الضمير الوسيط بين ضميري المتكلم والغائب يتوجه به ميشال بوتور إلى بطل رواية "التعديل" والصور الغنائية الخاطفة لكلود سيمون.. هكذا يتخذ الروائي مسافات تجاه بطل لا يعدّ له وجود شهواني .
ويختلف ساروت وغرييه، مُنَظِّرَا حركة "الرواية الجديدة" جذريّا حول موضوع الرواية. فإذا كانت ناتالي ساروت ترى أن موضوع الرواية يبقى دائما الحقيقة النفسية ولكنها تعتبر أن بلوغ أعماقها يتمّ بإهمال التحليل والالتصاق بالسلوك الذي نتناوله عبر أشد المحادثات تفاهة، فالوسيلة المستعملة إذن هي الحوار الملتقط للحركات التي تسميها ن.ساروت "ماتحت المحادثة".
إذا كان ذلك موقف ساروت، فإنّ ألان روب غرييه يرى أنّ الهدف المطلوب بلوغه ليس الوجود النفسي بل العالم، فليس على الرواية أن تسعى إلى عمق خاطئ بل ينبغي أن تصبح "بصرية وصفية" ومن ثمّ كانت الأهمية الرئيسية المعطاة للشيء .
الرواية والإبداع والقراءة
فالرواية في هذا التيار لا تقع على الطريق المؤدّي من الواقع، إلى انعكاسه بل على الطريق الرابط بين إبداع وقراءة. فلم يعد هناك بالنسبة إلى القارئ قدر يضطلع به في المخيال بل فتنة تصيب. ولا تتأسس الفتنة الروائية في "الرواية الجديدة" على إمكانية مُشاكلة الواقع أي مطابقته، ولكن تتأسس على التكرار والاقتراح، ولا ترجع القيم الملحة إلى وصف نفسيّ ولكن إلى ورشة الافتتان. إذ يقترح الروائيّ أن يفرض على القارئ محتوى ذهنيا، ولا يكون ذلك أحيانا عبر الشخصية المسخّرة.
ويحترم ميشال بوتور أطر الزمان والمكان في روايته "التعديل" إذ نعيش تمشيا بطيئا لحالات وعي. فـ"التعديل" هي مناجاة رجل عدل طوال رحلته من باريس إلى روما شيئا فشيئا عن تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه أي التخلّي عن زوجته وأطفاله والعيش في روما مع عشيقته. فكان استعمال ضمير "أنتم" كإيقاع الملحّ لتلك الجمل الطويلة الملتفّة، كان مجهودا لدعوة القارئ إلى التطابق – إذا صحت العبارة- مع محتوى وعي خيالي، أو بالأحرى لفرض محتوى وعي وقتي خيالي على القارئ أثناء القراءة.
وهو مجهود يذكرنا بأحد توجهات "الرواية الجديدة" غير أنه مُعبَّر عنه هنا (أي في رواية "التعديل") في شكل نحويّ شديد السذاجة، لأننا عندما نقرأ رواية فمهما كانت مشاركتنا لوجهة نظر الشخصية شديدة الكثافة، فإننا نظلّ نراها على شاشتنا الباطنية، مثل شخص ينفصل عنا ويعرض علينا مشهدا.
ورشة الرواية
فورشة كلّ من بوتور وروب غرييه تنزع إلى إجراء رقيا، فهذا الوعي الذي نُستدعَى إلى أن نجعله وعينا، يكرر دون هوادة صورا وأغراضا تأخذ أحيانا قيمة أسطورية. فواقعية بوتور في رواية "التعديل" هي واقعية أسطورية إذ يجد الوعي فيها نماذج أصلية. وحتى روب غرييه فقد قصّ على طريقته حكاية أوديب في روايته "المماحي". وعلى كل حال فإننا نجد في كثير من آثار "الرواية الجديدة" نقلا لبنى أسطورية في واقعية كثيرة التفاصيل.
يسجل كُتّاب "الرواية الجديدة" عن طواعية سرّا في صلب كتبهم: ففي رواية "تصريف الزمن" لبوتور، يتعلق الأمر بفكّ مزخرفة زجاجية وتفكيك رواية بوليسية والوصول بذلك إلى سرّ المدينة. وعُقَد روب غرييه البوليسية تعرض ألغازها وقد عرّف ميشال بوتور الرواية يوما بأنها "خيال ماكر" مُلفّق لتشويش ذهن القارئ وكثيرا ما تنعدم إحداثيات الزمان والمكان في "الرواية الجديدة" والرواية تظل ملغزة فقط لأنّها ترفض إعطاء مداخلها ومخارجها للقارئ كي يعيد بناءها. ويهتمّ الروائي بعرض حركات وأشياء وأقوال على قارئه- وخاصة محتويات ذهنية حيث المشهد واقعي أو حلمي أو متخيَّل أو مشوّه من قبل الذهن. ولكن متى نكون في الواقع، ومتى نكون في الذكرى أو الحُلم؟ وحتى المحتويات الذهنية كالحوارات الباطنية ليست منقولة دائما عن شخصية تعيشها بطريقة صريحة. أحدهم يتكلم: منْ هو؟ يعسر على الأقل في بداية الرواية تعيين من أُسندت إليه هذه المناجاة.
مغامرات الرواية الجديدة الفنية
وقد عرّف ميشال بوتور الرواية سنة 1956 بأنّها استقصاء قاصدا في البدء أن يقول إنه على الروائي أن يتعهّد تجديد أشكال القصّ. وتُمثِّل آثار بوتور مثال البحث / الاستقصاء الذي يتورّط في اتجاهات مختلفة على التوالي. ونعرّف "الرواية الجديدة" عن طيب خاطر بأن نقدمها بوصفها سلسلة من المغامرات الجمالية بما تفترضه من مجازفات إذ قد يحدث أن تؤدي بعض المغامرات إلى طرق مسدودة. فالروائي يتعلق بكشف ارتقاء نحو الحكاية وبانعدام إمكانية الالتحاق بها حكايةً. ولم يعد الروائيّ واضعا يده على الحقيقة ومؤتمَنا على سرّ. فلا يقصّ حكاية بل يقدم فقط بعض المقتطفات وعلى القارئ أن يحاول إعادة تشكيلها. فالرواية الحديثة مثل لعبة البازل إذ يحدث أحيانا أن نفشل في إعادة تنظيمها. والرواية بأكملها تقع في عدم إمكانية أدائها فالروائي يبذل جهودا ليقول ما يعرفه ولكن في غموض. فتصبح الروايةُ روايةَ الروايةِ التي لن تُكتب لأنّها لا يمكن أن تكون وقد اعتبر جان بول سارتر رواية ناتالي ساروت "صورة مجهول" (1956) رواية مضادّة وقال: "يتعلّق الأمر بنكران الروايةِ ذاتَها وبتقويضها تحت أعيننا في الوقت ذاته الذي يلوح لنا فيه أننا نشيّدها وبكتابة رواية الرواية التي لا تتم". والواقع أن حجز الوجود يمنع كتابة الرواية.
فالرواية الجديدة قلّما تنبثق عن أزمة سطحية تتعلّق بصفاء الجنس الأدبي أو بقيمته بل تنبثق عن عدم إمكانية قصّ حكاية ما إن نفكّر من قريب في ما يفترضه فعل القص الوحيد. بأي حق نكتب ولنقول ماذا؟ فالوجود يطغى على كل ما يمكن لنا قوله. لم ننتهِ قَطُّ من الواقع وفي البداية، بم نبدأ إذا أردنا أن نحكيَ؟ .
مثل هذه الأسئلة تحيلنا على مراجع "الرواية الجديدة" فروائيو هذا التيار تأثروا كثيرا بالفيمنولوجيا والوجودية والبنيوية .
وعلى العموم، فخصوبة ورشة "الرواية الجديدة" لم تعد تحتاج إلى فضل بيان.
ويمكن أن تظهر الآثار المنتجة صارمةً ومتشدّدةً ومن ثمة فهي مخصّصة لقارئ هو ذاته من صنف جديد. ويكفي الاهتمام الذي أثارته في فرنسا وخارجها والأبحاث والتعاليق التي استلهمتها و"الانتعاش" اللغويّ والنظريّ الذي أجرته و"الشواغل" النصّية التي جعلتها "الرواية الجديدة" قابلة للقراءة وخاصة القطائع الإيديولوجية التي وضّحتها، يكفي كل ذلك لبيان أنّ هذه الآثار طبعت بطريقة حاسمة الأدب الفرنسي في منتصف هذا القرن .
أسئلة ختامية
فهل استفاد الروائيون العرب من هذا "الإرث" النظريّ والإبداعي في تعديل آثارهم وتوجيهها نحو هذا المسلك المتفرّد؟ وهل يكفي الله الروائيين العرب مؤونة الجهاد الإبداعي في طرق هذا النهج تقليدا واقتداء؟ أم هل يحتاجون إلى طبع رواياتهم بمياسم محلّية وعربية تُعرّب "الرواية الجديدة" كما تعرّبت من قبلها الرومنسية على أيدي الشابي وجبران والوجودية على يدي محمود المسعدي؟
الاثنين، 21 أبريل 2008
مقابسات
شوارد
أزمة العقل الغربي
إنّ التناهي في الاعتداد بالعقل لدى اتجاهات في الفكر الغربي المعاصر قد أدّى إلى إقصاء القضايا الميتافيزيقية، حيث وصل الأمر بالوضعية المنطقية إلى اعتبار القضايا الميتافيزيقية لا معنى لها. ولكنّ الإنسان الغربيّ استبدل بوهم تحرّره من ربقة الميتافيزيقا ارتهانا بين يدي العقلية الاستهلاكية، وما استجلبه عصر الصورة من مآزق الاغتراب عن ذاته وعن حقيقة معنى وجوده في الكون، في ظلّ هيمنة شحن نفسيّ ومعلوماتيّ موجّه عبر وسائل الإعلام الحديثة، التي تفاقمت أدوارها، نحو خدمة مصالح، ليست في النهاية سوى مصالح فئوية، ضيقة. بعد أن أصبح يرسف في معادلات رقمية تتحدّى قدرته على التحكّم في آلياتها التي ما انفكّت تتعقّد وتتطرّف في مراقبته ومعاقبته على نحو ما وضّحته قراءات ماركوز النقدية المندّدة بالإنسان ذي البعد الواحد والفلسفة الفوكولتية التي تفضح ميكروفيزيائية السلطة التي وظّفت العلم للسيطرة على الإنسان، حتى أنّ مؤسسات المجتمع قد أضحت مولّدات لإيديولوجيا قمع مُقنَّع، كما يشير إلى ذلك لوي ألتوسير، وأصبح الإنسان يعيش حالة فقدان المعنى، بعد انحسار البُعد الروحيّ، واتساع دائرة المادة التي تمّ إحكام قبضة القوى السلطوية عليها، ففقد الإنسان تبعا لهذا التحليل قيمته وتشيّأ وجوده في هذا العالم.
من هنا تتحتم ضرورة معالجة العودة إلى الخطاب العقلي والديني في تواشج ينأى عن التقارع والتصادم، ويجنح إلى خلق معادلة جديدة قوامها التعايُش والتحاور. ولعلّ التخلّي عن وسم الشعور الدينيّ بالضعف والمرض، مثلما دأبت على ذلك فلسفات القوة (فلسفة نيتشه، واستتباعاتها من رؤى راديكالية عنصرية وقوموية وعرقية أو اشتراكية فوضوية )، والتخلّي عن وسمه بالعنف الرمزي (مثلما تتبنّى ذلك كثير من الخطابات العلمانية واللائكية التي تعتبر إقصاء العقل الدينيّ، عن دائرة الفعل الاجتماعي، عبر الفصل بين الدين والدولة، بشكل حدّيّ صارم، شرطا ضروريا، لتحقيق النهضة)، هو شرط الإسهام الوسطيّ للعقل الدينيّ في رأب الصدع الذي نجم عن اختلال التوازن العالميّ بعد انكفاء الدور التاريخيّ للإيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية، وتغوّل القطب الرأسماليّ الليبراليّ المُعَوْلـَم، الذي وصل في تحليلاته إلى رسم "نهاية التاريخ" إذا استعرنا عبارة فوكوياما.
تحليل الأفكار
محمد عابد الجابري
الفيلسوف ابن رشد
النقد الإبستيمولوجي عند محمد عابد الجابري (قراءة ابن رشد نموذجا)
المنهج هو المسألة الأساس، ونقد العقل الفقهيّ لا يتم بشكل علميّ إلا باعتماد المنهج الإبستيمولوجي، وقد اعتمد فيه محمد عابد الجابري:
1. المعالجة البنيوية : وتتلخص في معالجة فكر صاحب النص بوصفه كلا متكاملا تتحكم فيه ثوابت ويعتني بالتحولات، وقد اعتمد على النصوص التي تعود إلى ابن رشد في كشف تلك العناصر .
2. التحليل التاريخي : وهو يقوم على ربط فكر صاحب النص بمجاله التاريخي.
وقد عمل الجابري على النظر إلى ابن رشد ضمن حدود التاريخ المغاربيّ وما شهده من تحولات فكرية وسياسية واجتماعية .
3. الصراع الإيديولوجي : أي الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية وهذا واضح في ربط مشروع ابن رشد بثورة ابن تومرت التي أثمرت قيام دولة الموحّدين . ثم عمل على وصل القارئ بالمقروء من خلال حدس استشرافي في قراءة سباق التفكير ويتستر وراء مناورات التعبير وقد عمل من أجل كشف تلك المساحات التي وظفها في مشروعه النقدي للتراث.
نصوص وأطروحات
رولان بارط
ميثولوجيات: أحد كتب بارط
ميشيل فوكو
اللغة والسلطة، عند رولان بارط
اللغة سلطة تشريعية اللسان قانونها، إننا لا نلحظ السلطة التي ينطوي عليها اللسان، لأننا ننسى أن كل لسان تصنيف، وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من القهر: ordo تعني في ذات الوقت التوزيع والإرغام. هذا ما أوضحه ياكوبسون . إن كل لهجة تتعين، أكثر ما تتعين، لا بما تخول قوله بل بما ترغم على قوله. وفي اللغة الفرنسية ( وأنا أسوق هنا أمثلة لا تخلو من فظاظة)، أنا مرغم على أن أضع نفسي كفاعل قبل أن أعبر عن الفعل الذي لن يكون إلا صفة تحمل علي؛ وليس ما أقوم به إلا نتيجة تتمخض عما أنا عليه، وعلى نحو مماثل، أنا مرغم دوما على الاختيار بين صيغة التذكير والتأنيث، وليس بإمكاني على الإطلاق أن أحيد عنهما معا أو أجمع بينهما؛ ثم إنني مرغم على تحديد علاقتي بالآخر، إما باستعمال ضمير المخاطب بصيغة المفرد أنت أو بصيغة الجمع أنتم؛ وليس بإمكاني أن أترك المجال لمبادرة العاطفة والمجتمع. وهكذا فإن اللغة، بطبيعة بنيتها، تنطوي على علاقة استلاب قاهرة. ليس النطق ، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا كما يقال عادة: إنه إخضاع: فاللغة توجيه وإخضاع مُعمَّمان.
أورد عبارة لرينان ساقها في إحدى محاضراته: "إنّ اللغة الفرنسية، سيداتي سادتي، لا يمكن أن تكون البتة لسان المُحال والعبث، كما أنها لا يمكن أن تكون لغة رجعية. لا يمكن أن أتصور موقفا رجعيا يستعمل الفرنسية أداةً.." لنقل إنّ رينان، كان بطريقته الخاصة، ثاقب النظر. لقد استطاع أن يدرك أنّ اللغة لا تنحصر في ما تبلغه، وأنها يمكن أن تجتازه لتسمع عن طريقه، وبلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة للصوت الواعي المتعقل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق؛ كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. إنه كان يظن أن اللغة الفرنسية التي أبدعها العقل، بحسب اعتقاده، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره إلا ديمقراطيا. بيد أن اللسان، من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرجعي ولا بالتقدمي. إنه، بكل بساطة فاشي: ذلك لأنّ الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه.
إنّ اللغة، ما إن ينطق بها، حتى وإن ظلت مجرّد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها. إذ لا بد وأن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار: فمن ناحية اللغة جزم وتقرير: وما النفي والشك والإمكان وتعليق الحكم إلا حالات تستلزم عوامل خاصة سرعان ما تدخل هي ذاتها في عمليات التغليف اللغوي؛ وما يطلق عليه علماء اللسان الجهوية ليس إلا تكملة للغة، وما أحاول بفضله، استرحاما، التخفيف من سلطتها التقريرية القاهرة. ومن ناحية أخرى، فإن الدلائل والعلامات التي تتكون منها اللغة، لا توجد إلا بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرر وتردد. فالدليل تبعيّ مقلد؛ وفي كل دليل يرقد نموذج متحجر: ليس باستطاعتي الكلام دون أن يجر كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان. وما أن أصغ عبارة ما حتى تلتقي عندي الخانتان المذكورتان، وأكون في ذات الوقت سيدا ومسودا: إذ أنني لا أكتفي بأن ألوك ما قيل وأردده، مرتكنا بارتياح إلى عبودية الدلائل، بل إنني أؤكد وأثبت وأفند ما أردّده.
في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة. فإذا لم تكن الحرية مجرّد القدرة على الانفلات من قهر السلطة، وإنما، على الخصوص، عدم إخضاع أي كان، فلا مكان للحرية إلا خارج اللغة. بيد أن اللغة البشرية، من سوء الحظ، لا خارج لها: إنها انغلاق، ولا محيد لنا عنها إلا عن طريق المستحيل:إما بفضل الوحدة الصوفية، مثلما وصفها كيير كغارد، عندما حدد فداء ابراهيم كفعل لا مثيل له، خال من أي كلام، حتى ولو كان كلاما باطنيا، يقوم ضد شمولية اللغة وتبعيتها وطاعتها: أو بفعل أمين نيتشه الذي يشبه خلخلة مبتهجة موجهة ضد استبعاد اللغة، وما يطلق عليه دولوز رداءها الرجعي. ولكن، نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الإنسان الأعلى الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقى لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها. هذه الخيانة الملائمة، وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بإدراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا.
التحليل
بارط: اختراقات الحداثة والبنيوية
تقوم علاقة رولان بارط (1915-1980) بالبنيوية على ضرب من الغموض المدهش، شأنه في ذلك شأن ميشيل فوكو، فهما بنيويان عند الآخرين، وهما نفساهما لا يقران بهذا الانتماء ولا يعترفان به. ولكن ثمة مشابه عظيمة بين اشتغالهما واشتغال المنهج البنيوي في تحليل النصوص ونقد الأفكار.
لمن لا يعرف رولان بارط، ننقل رأي الناقد والسيميولوجي والروائي الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، مؤلف رواية "اسم الوردة"، يقول: "توجد طريقتان لكي تكون معلّما / شيخا. إحداهما أن يشتغل المعلم جاعلا حياته ونشاطه منوالين للاقتداء، وثانيتهما أن يقضي المعلم شطر حياته في بناء المناويل النظرية أو التجريبية، كي يتمكن أتباعه وتلاميذه من تطبيقها. إن بارط، بلا ريب ينتمي إلى الضرب الأول من المعلمين".
ولئن كانت شواغل بارط سيميولوجية نقدية، فقد أدلى بدلوه في طبيعة العلاقة بين اللغة والسلطة. وفي هذا النصّ يعمد بارط إلى إبراز وجهة نظره في مسألة الارتباط القسري بين اللغة والسلطة، موضحا أطروحته في هذا السياق، وهي تقول بأنّ السلطة كامنة في اللغة ولا يمكن أن تنخلع أيّ لغة من ربقة السلطة، كما لا يمكن لأيّ سلطة أن تعمل خارج نظام اللغة.
وأعجب ما نقف عليه في نصّ بارط هو تنبيهه إلى الوظيفة التحريرية للأدب، وللغة الأدبية، إذ يضطلع النص الأدبي بمهمة التملص من البعد التسلطي الذي تفرضه الإيديولوجيا على اللغة. ومن ثمة يكون البعد الجمالي في النص الأدبي مطية إلى العودة إلى إنسانية الإنسان، أي إلى تمتعه بحريته، خارج إطار التوظيف السياسي والإيديولوجي.
مقاربات
الترجمة: بما هي تلوين للأفق بالمعرفة الحديثة
المنظمة العربية للترجمة: بدايات واعدة وآفاق ممتدة
العنوان: العلم والفرضية
تأليف: هنري بوانكاريه
ترجمة: د. حمادي بن جاء بالله
هنري بوانكاريه غلاف الكتاب
د. الطاهر لبيب: مدير المنظمة العربية للترجمة
* تمهيد
هذا الكتاب هو باكورة أعمال "المنظمة العربية للترجمة" التي يديرها عالم الاجتماع الدكتور طاهر لبيب، وقد ذكر في التصدير الهدف من إنشاء هذه المنظمة، فقال:
" إنّ الهدف من إنشاء المنظمة العربية للترجمة"هو المساهمة، تحديدا، في تطوير الترجمة العربية، في اتجاه النقل السليم للمعرفة، نقلا يكون في سلامته إثراء وتطوير لاستعمال اللغة العربية نفسها. هذا الهدف المركّب يشترط، بدون شك، كفاءة مهنية، ولكنه يندرج في رؤية نهضوية حديثة ترى في حركة الترجمة رافدا ضروريا من روافد التقدم، وطنيا وقوميا."
* إشعاع المنظمة العربية للترجمة
وهذا هدف نبيل، وقد لاحظنا في أنّ ما تعرضه المنظمة العربية للترجمة من كتب يُعدّ، بالفعل، علامات مرجعية ثمينة جديرة بأن تساعد القارئ والباحث العربي على التزوّد بما لذّ وطاب من معارف عصرية في لغة الضاد، معرّبة تعريبا علميا مضبوطا. وهو ما يُحسب للمنظمة، على الرغم من أنني لا أكاد أجد مبرّرا لتعدّد الترجمات العربية للكتاب الأجنبيّ الواحد (مثل كتاب دروس في اللسانيات العامة لفارديناند دي سوسير ، ترجم 5 مرات (طبعا مع اختلاف في طريقة تعريب العنوان، وعن الفرنسية مباشرة أم نقلا عن الترجمة الإنجليزية)، وكتاب بنية الثورات العلمية لتوماس كون ترجم 3 مرات، آخرها صدر عن المنظمة العربية للترجمة) إلا انعدام التنسيق ووقوع الحافر على الحافر كما يقول النقاد القدامى، ولنا عودة إلى هذا الموضوع، بالتحليل والنقاش...
فالترجمة رهان لا يُكسب إلا في ظلّ إتقان هذا الفنّ / العلم. فكم هي كثيرة الكتب المترجمة التي يجدها القارئ أكثر استغلاقا من مظانّها الأصلية، وقد هي متعبة الترجمات التجارية المتسرعة التي تجافي أهدافها مطلب إسعاف القارئ العربي بأداة معرفية موثوقة. ولذلك فقد أشار الدكتور طاهر لبيب في تصديره المذكور آنفا إلى أنّ المنظمة العربية للترجمة " لا تهدف إلى الربح" بل هي "مؤسسة علمية مستقلة". وقد حددت المنظمة لنفسها منهج عمل يقوم على استشارة أهل الاختصاص ومن لهم باع في العلوم المختلفة التي تهتم المنظمة بترجمة كتب مرجعية في إطارها من أصول المعرفة العلمية (الإبستيمولوجيا) وثقافة علمية معاصرة وفلسفة وعلوم إنسانية واجتماعية وتقنيات وعلوم تطبيقية وآداب وفنون ولسانيات ومعاجم. وهذه النواحي التي تعمل المنظمة على تغذية المكتبة العربية فيها، تحتاج بالفعل إلى مساندة، فالحق يقال أنّ التعريب الجيد لا بديل عنه لمواكبة الثورات المعرفية التي تظهر هنا وهناك بلغات حية من إنجليزية وفرنسية وألمانية... ونحن نعلم أنّ الإحصائيات تقول إنّ دولة أوروبية واحدة (وهي إسبانيا) تترجم أكثر من مجموع ما تترجمه الدول العربية مجتمعةً، كما لا يخفى على الباحثين أنّ العربية لغة تتميز– علميا، ودون تحيز إيديولوجي – بالدقة والجمال، لكن يجب أن نعطي للقوس باريها، فلا يقوم بالترجمة كل من هب ودب، بل يستشار أهل الاختصاص ويُكلفون بإنجاز مثل هذه الأعمال الجليلة.
* في تقريظ الترجمان
وهذا ما فعلته المنظمة العربية للترجمة، حيث افتتحت سلسلة كتبها بترجمة للدكتور حمادي بن جاء بالله (أستاذ الفلسفة والإبستيمولوجيا بالجامعة التونسية) وهو علَم نبغ لا في تدريس الفلسفة منذ كان يعمل في التعليم الثانوي في منزل تميم، في السبعينات فحسب، بل أسهم أيضا في مشروع تعريب الفلسفة في تونس، تدريسا في التعليم الثانوي، وكان ذلك مشروعا رائدا، غذى أجيالا عديدة بالفكر النقديّ الحديث القائم على تحكيم العقل، والخروج من منطق القرون الوسطى إلى منطق العلم الحديث، حيث استعملت لغة فلسفية عربية حديثة ليست منبتّة عن تراثها الأصيل ولا منقطعة عن الأفق الفكريّ المعاصر. وللأستاذ ابن جاء بالله كتبٌ في فلسفة العلم والحداثة فضلا عن اهتمامه بفلسفة كانط وفيزياء نيوتن،اختصاصه الأصليّ، وقد جعله كل ذلك مرجعا في هذه المعارف الفلسفية والإبستيمولوجية العميقة، وفضلا عن ذلك فقد تعاون مع الأستاذ علي بلحاج مدير دار المعلمين العليا فعميد كلية العلوم بتونس في مراجعة هذا العمل، والطريف أنّ المراجع رغم تخصصه العلمي الدقيق يكتب الشعر وله ديوان شهير في تونس عنوانه "أبعاد" نشره تحت كنية علي عارف!
إنّ التعريب المتقن، يبرز امتلاك المترجم لناصية العلم المخصوص وللغتين المنقول منها(الفرنسية في سياق الحال) والمنقول لها (العربية) وهذه الخصال يقف عليها القارئ متى اطلع على الكتاب. بل لعله يسوغ لنا الحديث عن "جمالية التعريب"، لا نقصد بذلك الخروج عن النص الأصلي واللعب على جمالية العبارة بشكل مجاني، يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يفي بالمتن الأصليّ، بل أعني بذلك حسن توظيف مستويات التعبير باللغة العربية الأنيقة عن مفاهيم وأفكار علمية وفلسفية لا تخفى لطافتها ولا يذهل ذاهل عن دقتها. ولا يخفى أسلوب المترجم الفصيح سواء عندما يكتب أصالة أو عندما ينقل عن الفرنسية التي أحاط بها خبرا، وعانق مطلق الفهم لها، ويجد القارئ متعة كبيرة في قراءة ما يكتبه الأستاذ ابن جاء بالله، لأنه يغريك بفصاحة قلّما امتلكها متفلسفة العرب – ربما لجفاء متأصل في الثقافة العربية مع هذا المجال الذي ظلّ أجنبيا – ولكنه لا يكتفي بذلك بل يردفه بأفكار طريفة غير مستنسخة عن شرقيّ ولا غربيّ، بل هي أثر من تجويد النظر الحصيف في القضايا التي مارسها الباحث الترجمان في الفلسفة والعلم. ولا أحلى من تطعيم النص العربيّ بأساليب مسكوكة من القرآن الكريم، وقد أولع المترجم بذلك ولوعا، من ذلك بعض العبارات التي تنساب مسلسلة في كلامه العلميّ العميق:
- يقول، معلّقا على القائلين باستحالة استشراف حقائق الموضوعات الغائبة :" وهم رهط ذهب بهم الظن إلى أن الإيمان بالله لا يكون إلا بضرب من الانتحار العقليّ وإعلان الوصاية على الضمير الإنسانيّ، في حين يعلم العارفون بالله أن سبل الإيمان أرحب من أبواب السماء، وأكثر من أن تحصى عددا." وقد عضد هذا التمكن من الأسلوب الفصيح، نهوضه على علم واسع بالاختصاص.
* المعرفة بما هي شرط للترجمة
قدّم الأستاذ حمادي بن جاء بالله لترجمته واضعا العمل في سياقه، معرّفا بالمترجم له وهو هنري بوانكاريه وقارن بينه وبين أينشتاين (عالم الفيزياء وصاحب نظرية النسبية ) طارحا سؤالا إشكاليا: لم فشل بوانكاريه حيث نجح أنشتاين؟ ثم شرع في الإجابة عن هذا السؤال إجابة علمية منهجية. ولا يكتفي المترجم في تقديمه بإبراز العلاقة بين الفلسفة والعلم في السياق الغربي المحايث للبيئة المعرفية التي أنتجت الكتاب المترجم، بل نجده يصل القول بالفلسفة الإسلامية عائدا بشواهد من الكندي والغزالي وابن رشد ، دون أن يذهل عن الفوارق الحاسمة بين أنماط التفكير بين الفكر القروسطي والفكر الحديث، يقول: " فقد كان بوانكاريه مهموما بترميم شروخ الأنموذج النيوتني أكثر مما كان منشغلا بمواعد مستقبل النسبية التي وضع هو نفسه أركانها الوثيقة، والأقرب إلى الظن الصادق – على الأقل – أن تلك "الفلسفة الفاسدة" التي اتخذها عدّة في نضاله البطوليّ المستميت، قد تحولت بين يديه – في غفلة منه – إلى موقف نظريّ نهائيّ شدّه إلى تلك "الخُبرية – الظاهرية – الاسمانية" في حين أن الواجب فيها أن تكون مجرد مدخل إلى العلم ومسلكا تقتحمه لنتجاوزه كما هو شأنها عند غاليلي وديكارت ومن قبلهما ابن الهيثم وابن رشد والبطروجي... على ما بين علم القدامى والوسيطيين – إغريقا وعربا وأوروبيين – وعلم المحدثين ورثة الثورة الكوبرنيكية، من فوارق نوعية عميقة – موضوعات ومناهج ونتائج – هي محددات الثورة العلمية الحديثة التي أنهت العصر الوسيط – مضمونا علميا وروحا فلسفيا وتوجها لاهوتيا – وأبدعت الحداثة التي نعيشها اليوم بما لها وماعليها. وما أكثر ما عليها عندنا بحكم قعودنا عن الفوز بأسباب القوة فيها!
ويصل المترجم، إلى مرتبة نقد الواقع الفكريّ العربيّ اليوم، عبر مقارنته بما واجهه نظيره الغربي من أزمات عرف كيف يجد لها الحلول، في حين ظل الفكر العربي يتخبط، يقول: " ولكن الفكر الأوروبي تغلب دائما على محنه وعرف كيف يستمد من عمق المأساة سببا من أسباب النجاة، في حين أنّ الفكر العربيّ لم يزل يعيد إنتاج أسباب الفشل بما فيها تلك الرؤى الخبرية إبستيمولوجيا والظاهرية أنطولوجيا والاسمانية فلسفيا، من دون أن يقدر في الغالب حتى على أن يجعل تلك المسائل تدور على موضوعاتها" .
طبعا لا يعني هذا النقد الذي يوجهه المترجم إلى الفكر الفلسفي العربي، الوقوع في ضرب من ضروب جلد الذات، بل هو دعوة إلى الانخراط الإيجابي في صنع واقع الحداثة، ولا أدلّ على ذلك من استفهامه الإنكاريّ في نهاية التقديم:" وهل أصالة الوجود البشريّ إلا من الالتزام بالحقيقة والوفاء للحرية؟"
ويجد القارئ في مقدمة المترجم إحاطة بمسار هنري بوانكاريه الفكري وينظر أساسا في مراسه العلميّ وأوضاع العلم في عصره (1854-1912) إضافة إلى تأمّل رؤاه في فلسفة العلم مع تنزيل ذلك في "روح العصر" وقيمه العملية، فكان بحق من كبار علماء عصره، دون أن يبلغ درجة اقتحام "عقبة النسبية" فكان آخر المحدثين دون أن يصير أوّل المعاصرين .
* خاتمة
ولعلّ زمن نشر الكتاب يوحي، فضلا عن سائرمشاريع المنظمة العربية للترجمة، أنّ القارئ العربيّ قد أصبح في حاجة بالفعل إلى "بيت حكمة" جديد، في عصر انفجار المعارف وتسارع أنساق البحث، على الصعيد الكونيّ. وتأتي مساهمة المنظمة في تنظيم جهود الترجمة المشتتة في أقطار البلاد العربية وتوجيه المثقفين إلى مناهل ليصدروا عنها ويرتووا من معينها العذب، لا تحول بينهم وبين نصوصها الأصلية عُجمة ولا ترجمة ركيكة، على نحو ما كان منتشرا في بعض دور النشر التجارية، التي لا تسعى إلى رسم خطة إستراتيجية لتكوين رصيد بشريّ من القرّاء المحترفينن لا من القارئين العابرين العرَضيين.
إنّ الرأسمال الرمزيّ الذي تتميز به المنظمة العربية للترجمة، ممثّلا في الكفاءات التي تديرها وتعمل تحت إشرافها أو الخبرات التي تستشار وتترجم وتراجع وتتعاون مختلف أشكال التعاون، ليُبشِّر ببداية سلوك طريق جديّ نرجو المواظبة على السير في دربه لأنّه الكفيل بتحقيق نقلة نوعية في نقل المعرفة وتعريبها، بمعنى أن تكون اللغة العربية محضنا حقيقيا للمعرفة الحديثة والمعاصرة، لا يجترّ أبناؤها كرها جاهلا للعلم ونظرة سطحية للمعارف العصرية أو في أحسن الأحوال تعاملا براغماتيا عرَضيا، لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
ونعلم، حقّ العلم، أنّ نقل المعرفة مدرج ضروريّ يرتقيه المجتمع أوّلا ليتمكّن بعد تحصيله من نقد تلك المعرفة، تمهيدا لإنتاج معرفة جديدة. وهذا ما يجعل الترجمة الرصينة، بوجه من الوجوه، مرآة ترى فيها الذات "المعرفية" ما لها وما عليها، فضلا عن التوطئة للإسهام الفاعل في الحياة العلمية للمجتمع الذي تنشط فيه حركة الترجمة.
شوارد
أزمة العقل الغربي
إنّ التناهي في الاعتداد بالعقل لدى اتجاهات في الفكر الغربي المعاصر قد أدّى إلى إقصاء القضايا الميتافيزيقية، حيث وصل الأمر بالوضعية المنطقية إلى اعتبار القضايا الميتافيزيقية لا معنى لها. ولكنّ الإنسان الغربيّ استبدل بوهم تحرّره من ربقة الميتافيزيقا ارتهانا بين يدي العقلية الاستهلاكية، وما استجلبه عصر الصورة من مآزق الاغتراب عن ذاته وعن حقيقة معنى وجوده في الكون، في ظلّ هيمنة شحن نفسيّ ومعلوماتيّ موجّه عبر وسائل الإعلام الحديثة، التي تفاقمت أدوارها، نحو خدمة مصالح، ليست في النهاية سوى مصالح فئوية، ضيقة. بعد أن أصبح يرسف في معادلات رقمية تتحدّى قدرته على التحكّم في آلياتها التي ما انفكّت تتعقّد وتتطرّف في مراقبته ومعاقبته على نحو ما وضّحته قراءات ماركوز النقدية المندّدة بالإنسان ذي البعد الواحد والفلسفة الفوكولتية التي تفضح ميكروفيزيائية السلطة التي وظّفت العلم للسيطرة على الإنسان، حتى أنّ مؤسسات المجتمع قد أضحت مولّدات لإيديولوجيا قمع مُقنَّع، كما يشير إلى ذلك لوي ألتوسير، وأصبح الإنسان يعيش حالة فقدان المعنى، بعد انحسار البُعد الروحيّ، واتساع دائرة المادة التي تمّ إحكام قبضة القوى السلطوية عليها، ففقد الإنسان تبعا لهذا التحليل قيمته وتشيّأ وجوده في هذا العالم.
من هنا تتحتم ضرورة معالجة العودة إلى الخطاب العقلي والديني في تواشج ينأى عن التقارع والتصادم، ويجنح إلى خلق معادلة جديدة قوامها التعايُش والتحاور. ولعلّ التخلّي عن وسم الشعور الدينيّ بالضعف والمرض، مثلما دأبت على ذلك فلسفات القوة (فلسفة نيتشه، واستتباعاتها من رؤى راديكالية عنصرية وقوموية وعرقية أو اشتراكية فوضوية )، والتخلّي عن وسمه بالعنف الرمزي (مثلما تتبنّى ذلك كثير من الخطابات العلمانية واللائكية التي تعتبر إقصاء العقل الدينيّ، عن دائرة الفعل الاجتماعي، عبر الفصل بين الدين والدولة، بشكل حدّيّ صارم، شرطا ضروريا، لتحقيق النهضة)، هو شرط الإسهام الوسطيّ للعقل الدينيّ في رأب الصدع الذي نجم عن اختلال التوازن العالميّ بعد انكفاء الدور التاريخيّ للإيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية، وتغوّل القطب الرأسماليّ الليبراليّ المُعَوْلـَم، الذي وصل في تحليلاته إلى رسم "نهاية التاريخ" إذا استعرنا عبارة فوكوياما.
تحليل الأفكار
محمد عابد الجابري
الفيلسوف ابن رشد
النقد الإبستيمولوجي عند محمد عابد الجابري (قراءة ابن رشد نموذجا)
المنهج هو المسألة الأساس، ونقد العقل الفقهيّ لا يتم بشكل علميّ إلا باعتماد المنهج الإبستيمولوجي، وقد اعتمد فيه محمد عابد الجابري:
1. المعالجة البنيوية : وتتلخص في معالجة فكر صاحب النص بوصفه كلا متكاملا تتحكم فيه ثوابت ويعتني بالتحولات، وقد اعتمد على النصوص التي تعود إلى ابن رشد في كشف تلك العناصر .
2. التحليل التاريخي : وهو يقوم على ربط فكر صاحب النص بمجاله التاريخي.
وقد عمل الجابري على النظر إلى ابن رشد ضمن حدود التاريخ المغاربيّ وما شهده من تحولات فكرية وسياسية واجتماعية .
3. الصراع الإيديولوجي : أي الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية وهذا واضح في ربط مشروع ابن رشد بثورة ابن تومرت التي أثمرت قيام دولة الموحّدين . ثم عمل على وصل القارئ بالمقروء من خلال حدس استشرافي في قراءة سباق التفكير ويتستر وراء مناورات التعبير وقد عمل من أجل كشف تلك المساحات التي وظفها في مشروعه النقدي للتراث.
نصوص وأطروحات
رولان بارط
ميثولوجيات: أحد كتب بارط
ميشيل فوكو
اللغة والسلطة، عند رولان بارط
اللغة سلطة تشريعية اللسان قانونها، إننا لا نلحظ السلطة التي ينطوي عليها اللسان، لأننا ننسى أن كل لسان تصنيف، وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من القهر: ordo تعني في ذات الوقت التوزيع والإرغام. هذا ما أوضحه ياكوبسون . إن كل لهجة تتعين، أكثر ما تتعين، لا بما تخول قوله بل بما ترغم على قوله. وفي اللغة الفرنسية ( وأنا أسوق هنا أمثلة لا تخلو من فظاظة)، أنا مرغم على أن أضع نفسي كفاعل قبل أن أعبر عن الفعل الذي لن يكون إلا صفة تحمل علي؛ وليس ما أقوم به إلا نتيجة تتمخض عما أنا عليه، وعلى نحو مماثل، أنا مرغم دوما على الاختيار بين صيغة التذكير والتأنيث، وليس بإمكاني على الإطلاق أن أحيد عنهما معا أو أجمع بينهما؛ ثم إنني مرغم على تحديد علاقتي بالآخر، إما باستعمال ضمير المخاطب بصيغة المفرد أنت أو بصيغة الجمع أنتم؛ وليس بإمكاني أن أترك المجال لمبادرة العاطفة والمجتمع. وهكذا فإن اللغة، بطبيعة بنيتها، تنطوي على علاقة استلاب قاهرة. ليس النطق ، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا كما يقال عادة: إنه إخضاع: فاللغة توجيه وإخضاع مُعمَّمان.
أورد عبارة لرينان ساقها في إحدى محاضراته: "إنّ اللغة الفرنسية، سيداتي سادتي، لا يمكن أن تكون البتة لسان المُحال والعبث، كما أنها لا يمكن أن تكون لغة رجعية. لا يمكن أن أتصور موقفا رجعيا يستعمل الفرنسية أداةً.." لنقل إنّ رينان، كان بطريقته الخاصة، ثاقب النظر. لقد استطاع أن يدرك أنّ اللغة لا تنحصر في ما تبلغه، وأنها يمكن أن تجتازه لتسمع عن طريقه، وبلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة للصوت الواعي المتعقل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق؛ كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. إنه كان يظن أن اللغة الفرنسية التي أبدعها العقل، بحسب اعتقاده، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره إلا ديمقراطيا. بيد أن اللسان، من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرجعي ولا بالتقدمي. إنه، بكل بساطة فاشي: ذلك لأنّ الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه.
إنّ اللغة، ما إن ينطق بها، حتى وإن ظلت مجرّد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها. إذ لا بد وأن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار: فمن ناحية اللغة جزم وتقرير: وما النفي والشك والإمكان وتعليق الحكم إلا حالات تستلزم عوامل خاصة سرعان ما تدخل هي ذاتها في عمليات التغليف اللغوي؛ وما يطلق عليه علماء اللسان الجهوية ليس إلا تكملة للغة، وما أحاول بفضله، استرحاما، التخفيف من سلطتها التقريرية القاهرة. ومن ناحية أخرى، فإن الدلائل والعلامات التي تتكون منها اللغة، لا توجد إلا بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرر وتردد. فالدليل تبعيّ مقلد؛ وفي كل دليل يرقد نموذج متحجر: ليس باستطاعتي الكلام دون أن يجر كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان. وما أن أصغ عبارة ما حتى تلتقي عندي الخانتان المذكورتان، وأكون في ذات الوقت سيدا ومسودا: إذ أنني لا أكتفي بأن ألوك ما قيل وأردده، مرتكنا بارتياح إلى عبودية الدلائل، بل إنني أؤكد وأثبت وأفند ما أردّده.
في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة. فإذا لم تكن الحرية مجرّد القدرة على الانفلات من قهر السلطة، وإنما، على الخصوص، عدم إخضاع أي كان، فلا مكان للحرية إلا خارج اللغة. بيد أن اللغة البشرية، من سوء الحظ، لا خارج لها: إنها انغلاق، ولا محيد لنا عنها إلا عن طريق المستحيل:إما بفضل الوحدة الصوفية، مثلما وصفها كيير كغارد، عندما حدد فداء ابراهيم كفعل لا مثيل له، خال من أي كلام، حتى ولو كان كلاما باطنيا، يقوم ضد شمولية اللغة وتبعيتها وطاعتها: أو بفعل أمين نيتشه الذي يشبه خلخلة مبتهجة موجهة ضد استبعاد اللغة، وما يطلق عليه دولوز رداءها الرجعي. ولكن، نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الإنسان الأعلى الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقى لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها. هذه الخيانة الملائمة، وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بإدراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا.
التحليل
بارط: اختراقات الحداثة والبنيوية
تقوم علاقة رولان بارط (1915-1980) بالبنيوية على ضرب من الغموض المدهش، شأنه في ذلك شأن ميشيل فوكو، فهما بنيويان عند الآخرين، وهما نفساهما لا يقران بهذا الانتماء ولا يعترفان به. ولكن ثمة مشابه عظيمة بين اشتغالهما واشتغال المنهج البنيوي في تحليل النصوص ونقد الأفكار.
لمن لا يعرف رولان بارط، ننقل رأي الناقد والسيميولوجي والروائي الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، مؤلف رواية "اسم الوردة"، يقول: "توجد طريقتان لكي تكون معلّما / شيخا. إحداهما أن يشتغل المعلم جاعلا حياته ونشاطه منوالين للاقتداء، وثانيتهما أن يقضي المعلم شطر حياته في بناء المناويل النظرية أو التجريبية، كي يتمكن أتباعه وتلاميذه من تطبيقها. إن بارط، بلا ريب ينتمي إلى الضرب الأول من المعلمين".
ولئن كانت شواغل بارط سيميولوجية نقدية، فقد أدلى بدلوه في طبيعة العلاقة بين اللغة والسلطة. وفي هذا النصّ يعمد بارط إلى إبراز وجهة نظره في مسألة الارتباط القسري بين اللغة والسلطة، موضحا أطروحته في هذا السياق، وهي تقول بأنّ السلطة كامنة في اللغة ولا يمكن أن تنخلع أيّ لغة من ربقة السلطة، كما لا يمكن لأيّ سلطة أن تعمل خارج نظام اللغة.
وأعجب ما نقف عليه في نصّ بارط هو تنبيهه إلى الوظيفة التحريرية للأدب، وللغة الأدبية، إذ يضطلع النص الأدبي بمهمة التملص من البعد التسلطي الذي تفرضه الإيديولوجيا على اللغة. ومن ثمة يكون البعد الجمالي في النص الأدبي مطية إلى العودة إلى إنسانية الإنسان، أي إلى تمتعه بحريته، خارج إطار التوظيف السياسي والإيديولوجي.
مقاربات
الترجمة: بما هي تلوين للأفق بالمعرفة الحديثة
المنظمة العربية للترجمة: بدايات واعدة وآفاق ممتدة
العنوان: العلم والفرضية
تأليف: هنري بوانكاريه
ترجمة: د. حمادي بن جاء بالله
هنري بوانكاريه غلاف الكتاب
د. الطاهر لبيب: مدير المنظمة العربية للترجمة
* تمهيد
هذا الكتاب هو باكورة أعمال "المنظمة العربية للترجمة" التي يديرها عالم الاجتماع الدكتور طاهر لبيب، وقد ذكر في التصدير الهدف من إنشاء هذه المنظمة، فقال:
" إنّ الهدف من إنشاء المنظمة العربية للترجمة"هو المساهمة، تحديدا، في تطوير الترجمة العربية، في اتجاه النقل السليم للمعرفة، نقلا يكون في سلامته إثراء وتطوير لاستعمال اللغة العربية نفسها. هذا الهدف المركّب يشترط، بدون شك، كفاءة مهنية، ولكنه يندرج في رؤية نهضوية حديثة ترى في حركة الترجمة رافدا ضروريا من روافد التقدم، وطنيا وقوميا."
* إشعاع المنظمة العربية للترجمة
وهذا هدف نبيل، وقد لاحظنا في أنّ ما تعرضه المنظمة العربية للترجمة من كتب يُعدّ، بالفعل، علامات مرجعية ثمينة جديرة بأن تساعد القارئ والباحث العربي على التزوّد بما لذّ وطاب من معارف عصرية في لغة الضاد، معرّبة تعريبا علميا مضبوطا. وهو ما يُحسب للمنظمة، على الرغم من أنني لا أكاد أجد مبرّرا لتعدّد الترجمات العربية للكتاب الأجنبيّ الواحد (مثل كتاب دروس في اللسانيات العامة لفارديناند دي سوسير ، ترجم 5 مرات (طبعا مع اختلاف في طريقة تعريب العنوان، وعن الفرنسية مباشرة أم نقلا عن الترجمة الإنجليزية)، وكتاب بنية الثورات العلمية لتوماس كون ترجم 3 مرات، آخرها صدر عن المنظمة العربية للترجمة) إلا انعدام التنسيق ووقوع الحافر على الحافر كما يقول النقاد القدامى، ولنا عودة إلى هذا الموضوع، بالتحليل والنقاش...
فالترجمة رهان لا يُكسب إلا في ظلّ إتقان هذا الفنّ / العلم. فكم هي كثيرة الكتب المترجمة التي يجدها القارئ أكثر استغلاقا من مظانّها الأصلية، وقد هي متعبة الترجمات التجارية المتسرعة التي تجافي أهدافها مطلب إسعاف القارئ العربي بأداة معرفية موثوقة. ولذلك فقد أشار الدكتور طاهر لبيب في تصديره المذكور آنفا إلى أنّ المنظمة العربية للترجمة " لا تهدف إلى الربح" بل هي "مؤسسة علمية مستقلة". وقد حددت المنظمة لنفسها منهج عمل يقوم على استشارة أهل الاختصاص ومن لهم باع في العلوم المختلفة التي تهتم المنظمة بترجمة كتب مرجعية في إطارها من أصول المعرفة العلمية (الإبستيمولوجيا) وثقافة علمية معاصرة وفلسفة وعلوم إنسانية واجتماعية وتقنيات وعلوم تطبيقية وآداب وفنون ولسانيات ومعاجم. وهذه النواحي التي تعمل المنظمة على تغذية المكتبة العربية فيها، تحتاج بالفعل إلى مساندة، فالحق يقال أنّ التعريب الجيد لا بديل عنه لمواكبة الثورات المعرفية التي تظهر هنا وهناك بلغات حية من إنجليزية وفرنسية وألمانية... ونحن نعلم أنّ الإحصائيات تقول إنّ دولة أوروبية واحدة (وهي إسبانيا) تترجم أكثر من مجموع ما تترجمه الدول العربية مجتمعةً، كما لا يخفى على الباحثين أنّ العربية لغة تتميز– علميا، ودون تحيز إيديولوجي – بالدقة والجمال، لكن يجب أن نعطي للقوس باريها، فلا يقوم بالترجمة كل من هب ودب، بل يستشار أهل الاختصاص ويُكلفون بإنجاز مثل هذه الأعمال الجليلة.
* في تقريظ الترجمان
وهذا ما فعلته المنظمة العربية للترجمة، حيث افتتحت سلسلة كتبها بترجمة للدكتور حمادي بن جاء بالله (أستاذ الفلسفة والإبستيمولوجيا بالجامعة التونسية) وهو علَم نبغ لا في تدريس الفلسفة منذ كان يعمل في التعليم الثانوي في منزل تميم، في السبعينات فحسب، بل أسهم أيضا في مشروع تعريب الفلسفة في تونس، تدريسا في التعليم الثانوي، وكان ذلك مشروعا رائدا، غذى أجيالا عديدة بالفكر النقديّ الحديث القائم على تحكيم العقل، والخروج من منطق القرون الوسطى إلى منطق العلم الحديث، حيث استعملت لغة فلسفية عربية حديثة ليست منبتّة عن تراثها الأصيل ولا منقطعة عن الأفق الفكريّ المعاصر. وللأستاذ ابن جاء بالله كتبٌ في فلسفة العلم والحداثة فضلا عن اهتمامه بفلسفة كانط وفيزياء نيوتن،اختصاصه الأصليّ، وقد جعله كل ذلك مرجعا في هذه المعارف الفلسفية والإبستيمولوجية العميقة، وفضلا عن ذلك فقد تعاون مع الأستاذ علي بلحاج مدير دار المعلمين العليا فعميد كلية العلوم بتونس في مراجعة هذا العمل، والطريف أنّ المراجع رغم تخصصه العلمي الدقيق يكتب الشعر وله ديوان شهير في تونس عنوانه "أبعاد" نشره تحت كنية علي عارف!
إنّ التعريب المتقن، يبرز امتلاك المترجم لناصية العلم المخصوص وللغتين المنقول منها(الفرنسية في سياق الحال) والمنقول لها (العربية) وهذه الخصال يقف عليها القارئ متى اطلع على الكتاب. بل لعله يسوغ لنا الحديث عن "جمالية التعريب"، لا نقصد بذلك الخروج عن النص الأصلي واللعب على جمالية العبارة بشكل مجاني، يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يفي بالمتن الأصليّ، بل أعني بذلك حسن توظيف مستويات التعبير باللغة العربية الأنيقة عن مفاهيم وأفكار علمية وفلسفية لا تخفى لطافتها ولا يذهل ذاهل عن دقتها. ولا يخفى أسلوب المترجم الفصيح سواء عندما يكتب أصالة أو عندما ينقل عن الفرنسية التي أحاط بها خبرا، وعانق مطلق الفهم لها، ويجد القارئ متعة كبيرة في قراءة ما يكتبه الأستاذ ابن جاء بالله، لأنه يغريك بفصاحة قلّما امتلكها متفلسفة العرب – ربما لجفاء متأصل في الثقافة العربية مع هذا المجال الذي ظلّ أجنبيا – ولكنه لا يكتفي بذلك بل يردفه بأفكار طريفة غير مستنسخة عن شرقيّ ولا غربيّ، بل هي أثر من تجويد النظر الحصيف في القضايا التي مارسها الباحث الترجمان في الفلسفة والعلم. ولا أحلى من تطعيم النص العربيّ بأساليب مسكوكة من القرآن الكريم، وقد أولع المترجم بذلك ولوعا، من ذلك بعض العبارات التي تنساب مسلسلة في كلامه العلميّ العميق:
- يقول، معلّقا على القائلين باستحالة استشراف حقائق الموضوعات الغائبة :" وهم رهط ذهب بهم الظن إلى أن الإيمان بالله لا يكون إلا بضرب من الانتحار العقليّ وإعلان الوصاية على الضمير الإنسانيّ، في حين يعلم العارفون بالله أن سبل الإيمان أرحب من أبواب السماء، وأكثر من أن تحصى عددا." وقد عضد هذا التمكن من الأسلوب الفصيح، نهوضه على علم واسع بالاختصاص.
* المعرفة بما هي شرط للترجمة
قدّم الأستاذ حمادي بن جاء بالله لترجمته واضعا العمل في سياقه، معرّفا بالمترجم له وهو هنري بوانكاريه وقارن بينه وبين أينشتاين (عالم الفيزياء وصاحب نظرية النسبية ) طارحا سؤالا إشكاليا: لم فشل بوانكاريه حيث نجح أنشتاين؟ ثم شرع في الإجابة عن هذا السؤال إجابة علمية منهجية. ولا يكتفي المترجم في تقديمه بإبراز العلاقة بين الفلسفة والعلم في السياق الغربي المحايث للبيئة المعرفية التي أنتجت الكتاب المترجم، بل نجده يصل القول بالفلسفة الإسلامية عائدا بشواهد من الكندي والغزالي وابن رشد ، دون أن يذهل عن الفوارق الحاسمة بين أنماط التفكير بين الفكر القروسطي والفكر الحديث، يقول: " فقد كان بوانكاريه مهموما بترميم شروخ الأنموذج النيوتني أكثر مما كان منشغلا بمواعد مستقبل النسبية التي وضع هو نفسه أركانها الوثيقة، والأقرب إلى الظن الصادق – على الأقل – أن تلك "الفلسفة الفاسدة" التي اتخذها عدّة في نضاله البطوليّ المستميت، قد تحولت بين يديه – في غفلة منه – إلى موقف نظريّ نهائيّ شدّه إلى تلك "الخُبرية – الظاهرية – الاسمانية" في حين أن الواجب فيها أن تكون مجرد مدخل إلى العلم ومسلكا تقتحمه لنتجاوزه كما هو شأنها عند غاليلي وديكارت ومن قبلهما ابن الهيثم وابن رشد والبطروجي... على ما بين علم القدامى والوسيطيين – إغريقا وعربا وأوروبيين – وعلم المحدثين ورثة الثورة الكوبرنيكية، من فوارق نوعية عميقة – موضوعات ومناهج ونتائج – هي محددات الثورة العلمية الحديثة التي أنهت العصر الوسيط – مضمونا علميا وروحا فلسفيا وتوجها لاهوتيا – وأبدعت الحداثة التي نعيشها اليوم بما لها وماعليها. وما أكثر ما عليها عندنا بحكم قعودنا عن الفوز بأسباب القوة فيها!
ويصل المترجم، إلى مرتبة نقد الواقع الفكريّ العربيّ اليوم، عبر مقارنته بما واجهه نظيره الغربي من أزمات عرف كيف يجد لها الحلول، في حين ظل الفكر العربي يتخبط، يقول: " ولكن الفكر الأوروبي تغلب دائما على محنه وعرف كيف يستمد من عمق المأساة سببا من أسباب النجاة، في حين أنّ الفكر العربيّ لم يزل يعيد إنتاج أسباب الفشل بما فيها تلك الرؤى الخبرية إبستيمولوجيا والظاهرية أنطولوجيا والاسمانية فلسفيا، من دون أن يقدر في الغالب حتى على أن يجعل تلك المسائل تدور على موضوعاتها" .
طبعا لا يعني هذا النقد الذي يوجهه المترجم إلى الفكر الفلسفي العربي، الوقوع في ضرب من ضروب جلد الذات، بل هو دعوة إلى الانخراط الإيجابي في صنع واقع الحداثة، ولا أدلّ على ذلك من استفهامه الإنكاريّ في نهاية التقديم:" وهل أصالة الوجود البشريّ إلا من الالتزام بالحقيقة والوفاء للحرية؟"
ويجد القارئ في مقدمة المترجم إحاطة بمسار هنري بوانكاريه الفكري وينظر أساسا في مراسه العلميّ وأوضاع العلم في عصره (1854-1912) إضافة إلى تأمّل رؤاه في فلسفة العلم مع تنزيل ذلك في "روح العصر" وقيمه العملية، فكان بحق من كبار علماء عصره، دون أن يبلغ درجة اقتحام "عقبة النسبية" فكان آخر المحدثين دون أن يصير أوّل المعاصرين .
* خاتمة
ولعلّ زمن نشر الكتاب يوحي، فضلا عن سائرمشاريع المنظمة العربية للترجمة، أنّ القارئ العربيّ قد أصبح في حاجة بالفعل إلى "بيت حكمة" جديد، في عصر انفجار المعارف وتسارع أنساق البحث، على الصعيد الكونيّ. وتأتي مساهمة المنظمة في تنظيم جهود الترجمة المشتتة في أقطار البلاد العربية وتوجيه المثقفين إلى مناهل ليصدروا عنها ويرتووا من معينها العذب، لا تحول بينهم وبين نصوصها الأصلية عُجمة ولا ترجمة ركيكة، على نحو ما كان منتشرا في بعض دور النشر التجارية، التي لا تسعى إلى رسم خطة إستراتيجية لتكوين رصيد بشريّ من القرّاء المحترفينن لا من القارئين العابرين العرَضيين.
إنّ الرأسمال الرمزيّ الذي تتميز به المنظمة العربية للترجمة، ممثّلا في الكفاءات التي تديرها وتعمل تحت إشرافها أو الخبرات التي تستشار وتترجم وتراجع وتتعاون مختلف أشكال التعاون، ليُبشِّر ببداية سلوك طريق جديّ نرجو المواظبة على السير في دربه لأنّه الكفيل بتحقيق نقلة نوعية في نقل المعرفة وتعريبها، بمعنى أن تكون اللغة العربية محضنا حقيقيا للمعرفة الحديثة والمعاصرة، لا يجترّ أبناؤها كرها جاهلا للعلم ونظرة سطحية للمعارف العصرية أو في أحسن الأحوال تعاملا براغماتيا عرَضيا، لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
ونعلم، حقّ العلم، أنّ نقل المعرفة مدرج ضروريّ يرتقيه المجتمع أوّلا ليتمكّن بعد تحصيله من نقد تلك المعرفة، تمهيدا لإنتاج معرفة جديدة. وهذا ما يجعل الترجمة الرصينة، بوجه من الوجوه، مرآة ترى فيها الذات "المعرفية" ما لها وما عليها، فضلا عن التوطئة للإسهام الفاعل في الحياة العلمية للمجتمع الذي تنشط فيه حركة الترجمة.
دلالات لسانية
مقابسات
شوارد
أسئلة الإبداع في الفكر والنقد
جاءت فكرة إنشاء منبر للفكر والنقد والعلوم الإنسانية والاجتماعية، تحتضه جريدة الوطن الغراء، كي تسدّ نقصا – نراه حاصلا – في الصفحات الثقافية المحلية والعربية، عئموما إلا فيما ندر. ولا نهدف من خلال هذا الفضاء أن نحول الجريدة عن هدفها الإعلاميّ التثقيفيّ إلى تحقيق غاية اكاديمية بحتة، بل يتعلق الأمر بانفتاح الصحيفة على المعارف الإنسانية التي تشكل فسيفساء الفكر الإنساني في مختلف تجلياته الإبداعية والنقدية والفلسفية.
ويجد القارئ في هذه الصفحة عناصر متجددة ومتكاملة تحاول أن توفر له بانوراما شاملة للفكر والفلسفة والنقد والمطارحات في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتتراوح هذه المساهمات في شكل أسئلة حارقة وإشكاليات وملفات وحوارات وعرض كتب ومراجعات نقدية وتعريفات مفهومية ومداخلات منهجية وترجمات مختارة، ... تساهم جميعها في بلورة رؤى عميقة ومتنوعة ومنفتحة للمشهد الفكريّ الإنسانيّ، في وقتنا الراهن.
وتحاول هذه الرؤية الاستشرافية أن تبذل وسعها في تثقيف القارئ دون إلقاء الدروس الأكاديمية الجاهزة، أو مخاطبته من عل، بل هي محاولات لتقريب الشقة بين ما ترسخ في الاعتقاد العامّ من تكريس البعد النخبوي لهذه المقاربات وما يمكن إنجازه من تذليل لصعوبات التقبل، كي تصبح هذه المسائل أمرا يخرج عن مجرد التعبير المنمّط ذي الأركان الجامدة والجاهزة، إلى مجال أرحب من التفاعل والتقارب الفكريّ الحميم.
والملاحظ أنّ الساحة البحرينية، ساحة ثرية بالمعنى الثقافي، لكن نحن بإزاء تناقضات وتفاوت بين "المخصصات" الاعتبارية – إن صحت العبارة – لمختلف هذه المناحي. فالفكر النظري والفلسفي، على سبيل المثال، لا يجد محلا معتبرا، على خلاف المساهمات التي تهتم بكل ما هو شأن سياسي أو اجتماعي. طبعا لا يعني هذا القول حصول قطيعة بين الاتجاهين النظري والعملي، بل يتعلق الأمر بالافتقار إلى إعطاء الناحية التنظيرية والتحليلية النقدية المجال الذي تستحق، قصد تكملة المشهد الثقافي بمفردات طريفة ومفيدة.
صحيح أننا نشهد – على الصعيد العربي عموما – ضعفا في إنتاج الأفكار والنظريات ومناويل التفكير التي تنتجها المجتمعات المتطورة، لكن الضعف في إنتاج الأفكار لا ينبغي أن يحجب عنا روح الإبداع التي يتسم بها قطاع كبير من مثقفي الأمة. من هنا وجب استعادة الدور الحضاري، عبر نقد الذات المنعكفة على نفسها، والعمل على الانفتاح العقلاني على واجباتنا في هذه المرحلة من التاريخ.
إدجار موران
تحليل الأفكار
فلسفة التعقد لإدجار موران
نشير بادئ ذي بدء إلى أنّ إدجار موران، فيلسوف فرنسي، متعدد الإسهامات في حقول الفكر التربوي والفلسفي والإبستيمولوجي، وله إصدارات غزيرة. منها مشروعه الذي اعتنى فيه بإصلاح الفكر والسياسة ، قصد تجاوز الأزمة العولمية الحالية. وأجزاء المشروع الخمسة وهي: - طبيعة الطبيعة، حياة الحياة، معرفة المعرفة، الأفكار، الهويّة الإنسانية- طبعت من سنة1977 إلى سنة2001( في دار سويSeuil بباريس).
ويختلف المعرّبون في ترجمة فلسفته فمنهم من يدعوها فلسفة التعقد ومنهم من يسميها الفكر المركّب.
ويقول مترجما كتابه "الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب" في معرض تقديمهما مبررات ترجمتهما لفكر هذا الفيلسوف: " يمثل [فكر الرجل] لحظة أساسية داخل الفكر الغربي المعاصر" ويشيران إلى أنّ هذا الكتاب بالذات "يقدّم بشكل مكثف الأطروحات المركزية لصاحبه (ومواقفه من الحقل الإبستيمولوجي والعلمي المعاصر، وتصوره للأخطار الجذرية الثاوية في قلب هذا الحقل، ثم مشروعه لفكر بديل نذر حياته كلها لرسم معالمه الكبرى)" (ص5).
ولعلّ أولى الملاحظات التي تطرح على بساط النظر، تتمثل في رفض التبسيط الساذج الذي يتم وضعه في بديلا للعمق الذي يتسم به الفكر الفلسفيّ، في معظم الأحيان. ومن هنا يأتي رفض السطحية في التعامل مع القضايا.
ومن خلال اعتماد رؤية متعددة المنظورات يتم تجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تعطي فكرة ناقصة، بل أحيانا مشوهة عن القضية قيد الدرس.
ومن ثمة فإنّ نظرية موران الفلسفية تتجنب مزالق التبسيط المخلّ والنظرة الأحادية الجانب، ومن هنا تبرز أهمية اعتماد المقاربة التعقدية أو المركبية.
مقاربات
هشام جعيط ناقدا للاستشراق
صابر الحباشة
بحسّ المؤرخ اليقظ ينبري هشام جعيط قارئا أدق لحظات التاريخ الإسلامي وأحرجها وأعسرها على الأخذ بزمام الموضوعية والإنصاف. ولكن تجرّد العالم قد صبغ عمل هذا المؤرخ التونسي الخبير والحصيف، فجعل يقرأ "الفتنة" قراءة "وجودية" لا تميل نحو إرسال الأحكام جزافا، بل لقد حاول فيها أن يتلبس بالظروف الموضوعية المادية والنفسية التي أحاطت بالوقائع، وباستنطاق النصوص المتوافرة، سواء منها التي نقلت عن الأطراف التاريخية الفاعلة أو المؤولة لها من مؤرخين عربا ومستشرقين، ليخرج برؤية أقرب ما تكون إلى تسليط الضوء الكاشف من غير تبئير أيديولوجيّ يجور على التاريخ ويعدل عنه إلى التوظيف الساذج أو التعالم الفجّ ...
وكذلك فعل جعيط عندما باشر مشروعه في قراءة السيرة النبوية قراءة لا تبقى عالة على استرداد المدونات القديمة و/ أو الحديثة (خاصة الاستشراقية منها) مختطا لنفسه مسلكا – يكاد يكون ميزة لدى أشهر مؤرخي تونس وأبرعهم منذ ابن خلدون مرورا بابن أبي الضياف ووصولا إلى حسن حسني عبد الوهاب – ألا هو مباشرة الظاهرة الإنسانية، دون إهمال لالتباساتها وحيثياتها، في عروج من الواقعة التفصيلية إلى التجريد الفكري الراقي، القائم على تقليب الأمور تقليبا يغوص على الاستنتاجات الطريفة، لا تخشى في إبداء ثغرات المتعاطين لهذا القطاع المعرفي لومة لائم، من ذلك أن المسعودي والطبري، على ذيوع صيتهما مؤرخين، لم يكونا بعيدين عن سهام ابن خلدون الناقدة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هشام جعيط حيث ينقد المستشرقين الذين تعرضوا بالدرس لقضية النبوة وترجموا القرآن إلى لغاتهم الأوروبية نقدا يبيّن حدود معرفتهم، دون أن يرميهم بالتعصب ولا أن يقع تجاه ما وقعوا فيه في تعصّب مضادّ. فما يستوقفك في تعاليق كتابه "الوحي والقرآن والنبوة" (الصادر في طبعة ثانية عن دار الطليعة، بيروت، 2000) أنه يبيّن القصور في رؤى المستشرقين ويثير الإشكاليات التي طرحوها، مبرزا أنها ناشئة في كثير من الأحيان عن عدم تذوق اللسان العربي، ولكن الروح العلمية التي تستوقف القارئ تتمثل في أن التفطن إلى أخطائهم لم تَدْعُهُ إلى السخرية منهم أو إخفاء كلّ جهودهم "العلمية" – في ضرب من الشماتة التي قد تصدر عن قصيري النظر، ممن يرون الطعن على المستشرقين جزافا مرقاة سهلة للحصول على شهادة البلاء الحسن في خدمة قضايا الأمة ...
أمّا جعيط فقد عمد إلى النزاهة في تقييم هؤلاء ملتمسا لهم العذر بجهلهم، والأمثلة على ذلك عديدة نأخذ بعضها، نحو قول بعض المستشرقين إنّ "سدرة المنتهى" المذكورة في سورة النجم، هي موضع بمكة، فيتصدى هشام جعيط إلى هذا الرأي الخاطئ، مبرزا هؤلاء المخطئين: رجيس بلاشير المستشرق الفرنسي (Blachère) في ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ومن بعده باريه (R.Paret) في تفسيره. ويعلق جعيط: "[إن اعتبار "سدرة المنتهى" موضعا بمكة] فكرة ضعيفة تنم عن عدم فهم لمعاني القرآن ومفاهيم المتناهي واللامتناهي (l´infini). كما كانوا قاصرين عن تذوق بلاغة القرآن وهذا شأن فون غرونباوم(Von Grunebaum) ورودنسون (Rodinson) أخيرا فان إس (Van Ess) الذي اعتبر أنّ ما جاء في الفترة المدنية غير موحى به لـ"ركاكته". وهذا الحكم خاطئ، كما أنّ الوحي في جميع الأديان لا يُقاس بالضرورة بالفصاحة الغريبة، شأن السور الأولى. ومن الصعب حقا معرفة اللغات إذا لم يتربَّ الإنسان في كنفها من الصغر. والحقيقة أيضا أنّ تفاسير المسلمين القدامى ضعيفة وسقيمة باستثناء الطبري ولا يعيننا كثيرا على فهم القرآن" (ص119، الحاشية رقم34.)
إنّ هذا التعليق على قصره، حمّال لدلالات كثيرة، تبين خصال المؤرخ الملتزم بالإنصاف بالنظرة الشمولية وبآداب الرد العلمي المقنع وبتغليب الرؤية الموضوعية مكان المهاترات السجالية. لم يقع هذا الباحث التاريخيّ في شرك اتهام النوايا، حول ما يمكن أن يُزعم من تآمر لزمرة المستشرقين على إساءة قراءة تاريخ الإسلام، هكذا بشكل عامّ ودون أدلّة، بل رجما بالغيب. وبالمقابل نجد جعيط يعطينا مثالا لمجادلة القوم بالسلاح المنهجي الذي يعتصمون به، وهو سلاح علمي متطور، دون أن يبقى صاحبنا أسير نظرة دونية لا للآخر المتفوق حضاريا – الآن وهنا – ولا عبدا لنظرة حنين طوباوي لتراث تالد. بل بنقد الذات ونقد الآخر، يمكن الإسهام في إنتاج المعرفة العلمية المنفتحة. فإذا كانت النخبة المتخصصة من الغرب تقع في مثل هذه الأخطاء و"السقطات" التاريخية، فلا تسل عن عوامهم، وحتى ساستهم، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى تعريف الآخر بنا – دون الاعتماد فقط على النهج الدعائيّ والقائم على اجتهادات فردية معزولة – بل باعتماد وسائل علمية مدروسة ومُمأسسة...
والناظر في خصال جعيط العلمية التي تبرز عبر متن الكتاب وحواشيه، يقف على حسن إحاطة بالديانات السماوية الأخرى بشكل يجعله يقف بيسر على الأشباه والنظائر بينها وبين الإسلام، دون أن يحتاج إلى المنافحة المجانية عن قيم الإسلام، فمقام القول هو التأريخ الموضوعي لقضايا فكرية وفلسفية شائكة تحتاج إلى التروي وشحذ الدليل أكثر منها إلى الاندفاع الوجداني الأعمى.
ولعل إنتاج مثل هذا الخطاب التاريخي، يحاور التراث ويراجع قراءات الاستشراق ويغري الذات الجمعية بتقديم خطوات أخرى نحو فحص المسلمات ونقد الثوابت، يمكن أن يشكّل رصيدا علميا يرفع رهان المعاصرة المتجذرة في انتمائها – بشكل واع لا غائم أو تقريبي أو سكوتي – وتجاوز حالة تبادل التمركز الثقافي مع الآخر الغربي، إذ نبادله انطواء بانطواء وتجاهلا بتجاهل، ... بل نقرأ تاريخنا وتاريخه ونقف على الأحجار الكأداء لإزالة ما يرين على الواقع من "التباس حضاري" فاجع، راكمته وقائع فردية يتم تعميمها – سلبيا – خدمة لقطيعة وبتر بين أوصال العالمين بقصد فرض أمر واقع قوامه تسويق المشاريع التي لا نستشار وهي تُحاك بمداد خرائطنا وعلى ظهر أراضينا.
قد يكون حظّ التاريخ إشارات ضمنية إلى الواقع، دون التوغل في قراءته بأدوات المؤرخ الصالحة لخبرة الماضي لا لاختبار الحاضر، ولكن الدرس المستفاد، من مثل محاولات هشام جعيط، وأضرابه من المخلصين للعلم التاريخي، أن الوقت لم يعد مناسبا لسردية أيديولوجية غوغائية، بقدر ما نحن أمام رهان فهم الواقع بعين تحسن سبر أغوار المقاصد الاستراتيجية، دون الوقوع في عمليات جس النبض العرضية.
قد لا يكون التفوق العسكري، سوى نتيجة لتفوق علمي واقتصادي وتعليمي، ... ولا يتحقق ذلك سوى بتجسير قنوات معرفة دوائر البحث والتخطيط وإنتاج المعرفة عالميا ولم لا تكون لنا إسهاماتنا الكونية في هذه النطاقات، لا في شكل أفراد يذوبون وينصهرون، بل في شكل مؤسسات بحثية وجامعية، متخصصة ولا سيما في العلوم الإنسانية وتكون عالمية موضوعية.
النص المرصود
القصيدة:
أغنية لباب توما
محمد الماغوط
حلوه عيونُ النساءِ في باب توما
حلوه حلوه
وهي ترنو حزينةً إلى الليل والخبز والسكارى
وجميلةٌ تلك الأكتافُ الغجريةُ على الاسّره..
لتمنحني البكاء والشهوة يا أمي
ليتني حصاةٌ ملونةٌ على الرصيف
أو أغنيةٌ طويلةٌ في الزقاق
هناك في تجويفٍ من الوحلِ الأملس
يذكرني بالجوع والشفاه المشرده ،
حيث الأطفالُ الصغار
يتدفقون كالملاريا
أمام الله والشوارع الدامسه
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
أشتهي أن أقبِّل طفلاً صغيراً في باب توما
ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فأنا ما زلتُ وحيداً وقاسياً
أنا غريبٌ يا أمي.
القراءة:
إنّ قصائد محمد الماغوط الرائعة تلهمك العودة إلى الحقيقة العارية، الحقيقة التي لا تتدثر بكذب الشعراء ولا بحذلقة الخطباء ولا بأفانين البلغاء. حقيقة وجودية تراجيدية ملساء من فرط طزاجتها. تتلوى في ترنح بين الحياة والموت. إنه يكتب الشعر بالدم لا بالحبر. دوره أن يصنع من اللغة وجودا، ويحيينا على إيقاع عبارة لا يحسن الشعراء ترتيلها علينا: في البدء كانت القصيدة.
و"أغنية لباب توما" تحتفي برصيد هائل من الرموز والإشارات التي أرى أنها تلتقي في عبارة مفتاحية واحدة: فلْنسمِّها "شعرية البدائية".
كيف يصبح العراء والفقر والحزن والغربة واليتم... معاني جميلة تصنع الشعرية وتولّد الإبداع؟ ليس بيننا وبين الشاعر الحق سوى حذق فن التحويل، تحويل الكائنات اللغوية من كائنات صماء جوفاء عمياء إلى كائنات جميلة أليفة طريفة. ذاك هو السر في التركيب والنظم، بالمعنى الذي أوقفنا عليه عبد القاهر الجرجاني، فالكلمة لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في سياقها الذي يستجلبها وتنحشر فيه، فلا تغادره فقد التحمت به وتولدت بينها وبينه أواصر القرابة ووشائج الصلات.
وشعرية النثر أعسر صناعةً وتقبُّلا، لأنها تكسر الرتابة التي تعوّدت عليها الأذن (الإيقاع العروضي) وتُذيب الذائقة الشعرية التقليدية (نظام التخييل المعهود ومواضع القول المطروقة أو ما سُمي بـ"عمود الشعر"). فكيف تُقنع الآخر المتكلّس في رفوف القدامة بأنّ ما أتاه محمد الماغوط في هذا النصّ يقطر شعرية ويذوب فنّا وعذوبة!!
قديما قال أبو تمام "لم لا تفهم ما يقال؟" ومنه انطلق أدونيس في زحفه نحو الأقاصي، غير أنّ الأسرار التي تكتنف شعرية الماغوط لا تأتينا من قِبَل الغموض أو الإبهام (مثل أدونيس)أو الرموز الأسطورية (مثل السياب، وإن كان غير نثريّ الشعر بل هو حُرّه)، بل تأتينا من جهة فرط سذاجته ومكره وانقضاضه على مواضع القول المتروك للغة الغفل المنسية، وهو الركن القصيّ المهمل المتبقّي ممّا تعاوره البلاغيون والأسلوبيون والإنشائيون والسيميائيون والبنيويون... بالتحليل والتمحيص والدرس والتنميط.
إنه السهل الممتنع: تقول هذا ولا أبسط منه، فإذا به يتمرّد على محاولاتك التي تتكرر وتتكرر دون جدوى. رحيق مختوم من اللفظ السهل المنقاد، والصور الشفافة، ولكنها على هشاشة تذكرك بأجنحة الفراش الجميلة بعيدةً، فإذا قبضت عليها أفسدتها وقتلتها.
يقتنص الشاعر من الصور أبسط التفاصيل ولا يُعنى بالجلل من الأمور، فقد ترك لذوي المواهب الكبيرة أن يُعنوا بالشأن العامّ، أمّا هو فقد رضي بالاشتغال على مملكته الصغيرة، فطفق يعمل في ورشته الصغيرة على تخليق صور بسيطة رفيعة رقيقة:
"ليتني حصاة ملوّنة على الرصيف"
إنّ النصّ لا يُشظّى، فهو لحمة واحدة ولكنّ لالتقاط شذرات من شعريته يمكن اتخاذ بعض النماذج. أليس التمني ههنا لأن يكون شيئا حقيرا، ومعلوم أنّ التمنّي يكون في العادة لأمر مستحيل – وهو كذلك هنا – ولكنّ الناس العاديين يتمنّوْن أشياء كبيرة: أموالا، ثراء، جاها، نجاحا...، ولمّا كان "أنا" الشاعر غير عاديّ فقد اختار أن يتمنّى أن يكون شيئا حقيرا، يُداس ولا يُحتَفل بشأنه. ولكن هل يمكن أن يكون ذلك جلدا للذات؟ أو استباقا لحساب عسير يجعل الكافر يقول "يا ليتني كنت ترابا"؟
تبدو الإجابة معروضة في أعطاف النصّ مجافية لأفق التوقّع الذي ينكسر للمرّة الثانية: فقد تحطّم في المرّة الأولى عندما خاب توقّعه في محتوى الأمنية إذا كان أمرا حقيرا، وها هو يتحطم ثانية لأنّ المسألة ليست مرض نفسيّ (المازوشية) ولا لحظة توبة عابرة، بل الأمر يتعلق برغبة في معانقة الطهارة وملامسة الكائنات التي لا تحتمل هشاشتها، ألا وهم الأطفال العابرون، الذين يريد أنا الشاعر أن يحتضنهم بأن ينبسط لهم ترابا عليه يمشون ويستحيل حصاة بها يلعبون!
يقول الماغوط:
حيث الأطفال الصغار
يتدفقون مثل الملاريا
[...]
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
إنها الحيثيات التي يرى الشاعر نفسه مطالبا بسحب الإهمال المطبق عليها، ليعرّي زيف "العقلاء" وسهو "النبلاء" عن معاناة هذه الفئات الشريدة.
إنها الكتابة المناضلة التي تحتفي بالتافه اليسير. ويتولد في أعطاف النصّ نسيج من الصور والتشابيه لا عهد للشعر العربي بها. إنها تشبيهات طازجة، مستمدة من بيئة المرض والعفونة والإهمال: "مثل الملاريا"، عندما يصبح الطفل – رجل المستقبل – شبيها بمرض، فاعرف رأي الشاعر في ذلك المستقبل!
والملاحظ أنّ سلسلة الانزياحات التي يأتيها الماغوط لا تنتهي، إذ كان بوسعه أن يعبّر عن كثرة الأطفال فيقول "مثل النمل" ولكنه اختار أن يجلب صورة المرض إذ ينتشر في الجسد، ليكون التشبيه لا فقط ذا بُعد تمثيليّ وصفيّ، بل ليكون أيضا ذا عمق تشخيصيّ، يحفر في أركان الوضع المتعفّن، دون أن يجاملنا أو يجمّله.
لقد دأب الشاعر في هذه القصيدة على جمع شتات الفئات المسحوقة (النساء، الأطفال، الشعراء)، فهو يحمل قضية تبليغ مآسي هؤلاء لا بالشحن العاطفي المباشر والنبرة الخطابية المسعورة، بل بلطف الفن وشجوه العذب الأليف الذي يراوح بين جمالية القبيح ورومنسية الجميل. تلتقي في النصّ أطياف وأشباح وتتجاور أجساد وجثث، يلتقي الموت بالحياة والصحّة بالمرض: الحلاوة والمرارة في كأس واحدة تمتزجان وعلى لسان الشاعر تندلقان: إنها جدلية الوجود ونفي النفي وإكراهات الإقامة في هذا العالم المليء بالمتناقضات التي لا تنتهي ولا تحول.
شعرية المكان، ملمح بارز من ملامح القصيدة الماغوطية، فهو يحتفي بالأزقة والحواري والشوارع المظلمة، فهو على كل حال لم يغادر ثيمة المدينة باعتبارها المستنقع الذي تنصبّ فيه إكراهات الوجود البشريّ، وهنا لا نحتاج إلى الإشارة إلى أنّ طبيعة قصيدة النثر المطواع تسمح بأن تتخذ المدينة لها إطارا، في حين أنّ الشعر العمودي مجاله الأصليّ والطبيعيّ البداوة والصحراء، هناك نشأ وترعرع، فلمّا تمدّن أصابته لعنة الحداثة منذ أبي نواس وبشار وأبي العتاهية وأضرابهم.
الزقاق، الشوارع، المقهى، الكنيسة، أمكنة ذكرها الشاعر باعتبارها محلات في المدينة، ليس لها قيمة تسجيلية واقعية فحسب، بل هي تؤطّر الوجود الإنسانيّ وتحدد نطاق حركته، فالإنسان في المدينة حبيس الفضاءات المغلقة، وإن خرج منها فهو لا يطيق صبرا على العودة إليها، لذلك فالمدينة – بمنطق الشاعر المجنّح – سجن كبير، ولكنه ألِفه فأصبح يرتاح فيه لأنّ الناس معتادة على الرضوخ إلى العادات.
ولا يخفى ما لبعض هذه الأماكن من إشارات رمزية، فالكنيسة ترمز إلى الدين وهو وما يتناسق مع المكان المذكور في العنوان "باب توما" مما يحقق انسجاما بين العنوان والمتن.
وتتعدد الحواسّ التي تشترك في إحكام شعرية العبارة في هذا النص:
ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فالبصر يتجلى عبر اللون (الورديتين) والشم عبر (رائحة الثدي)، وهذا التراسل بين الحواس يشي برغبة دفينة وحنين جارف إلى العودة إلى الصبا وإلى المرحلة الطفولية الأولى، حيث يكون الإنسان غريرا لا يفقه من الدنيا شيئا، مليئا بالطهارة، إنها نوستالجيا العودة إلى المرحلة الفموية، كما صنّفها علماء النفس، حيث يشتاق الشاعر إلى أن يمتصّ ثدي الأمّ. الأمّ هذه الثيمة المتكررة رمزا وإشارة في هذا النصّ بغزارة. ولعلّنا – إن تابعنا التحليل النفسي – ذهبنا إلى اعتبار الشاعر واقعا في حالة حرمان وفقد، مما جعله يحتوي بالأم الوالدة بما هي رمز للحضن الدافئ الذي يحميه من عوادي الزمن. ومن هنا يتولد الإحساس باليتم الوجودي الذي يلاحق الشاعر، فيكون وكده أن يلاحق السعادة المنقضية والطفولة البائدة عبر توسّل اللغة من خلال التصوير والتمني والتخييل ورمزية الأمّ والمكان...
إنّ الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة المتشظية على مساحة النصّ محاكية تشظي لوحات الحياة في حارة فقيرة، يولّد لذّة التخييل المحاكي للواقع عبر الاندساس في كوات الجمال فيه ودون الانخراط في الهجاء المجانيّ على الأوضاع المزرية. بل إنّ الشاعر يلتقط الجمالية في العفوية وكلّ ما هو يوميّ معيش. إنّ القصيدة النثرية تفتح مجراها في انشقاق عن الكلاسيكية المتقعّرة في تنميط الوجوه والصور والأغراض والمعاني، بل إنّ قوام هذه القصيدة الجديدة على نقل نبض الحياة البسيطة نقلا لا يقع في التسجيل ولا التهويل أو التوظيف الإيديولوجيّ الفجّ: بل هي قصيدة ترفض وضع المساحيق، يتكلم الشاعر فيها لغة عارية من الجناس والمحسنات البديعية ومن الكليشيهات الممجوجة، دون أن يقع في رتابة الحياة وروتينيتها.
انظر هذه اللوحة:
أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
تبدو هذه اللوحة كسابقتها تعبيرا عن أمنية للشاعر في أن يتحول – ضمن رؤية أنتروبومورفية – من بشر إلى شجر أو معدن، وتتوالى الصور متراشحة وفق تقنية التداعي: حيث تجلب الصورة أختها لتتعالق في عنقود طريف من الأخيِلة السابحة في ملكوت الجمال.
يعبّر الشاعر عن واقع افتراضيّ، بصور متراكبة تراكبا عجيبا حيث تتناسل الصور دون أن يجمع شتاتها سوى خيط الإبداع، حيث ينشئ من الفوضى نظاما ومن التداعي بناء ومن الوحشيّ ألفةً ووئاما.
يغيب المعنى ويحضر في هذه التشبيهات والاستعارات المبتكرة بسلاسة دون أن يعنّيك الشاعر بالبحث طويلا في غيابات الدلالة الحافّة وظلال المعنى ومعنى المعنى... يُحوِجك فقط إلى تخدير الصرامة اللغوية التي اعتاد عليها فقهاء اللغة، كي تنتشيَ بركض الكلمات وراء المجهول / المعروف. إنّه عبث جميل بعالم نعرفه، ونكاد نلمسه، ولكنه في الحقيقة صنيعة الشاعر، قدّه من كلمات وبناه بكنايات واستعارات ودعانا لزيارته على جسر من المعاني والدلالات.
وقد يتخلص المتكلم في القصيدة من التماهي مع الشاعر، فهو في هذه اللوحة يتمنى أن يكون وردة وأن يقطفها شاعر، يقول:
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام ...
إنه الانفصام بين الذات الفنية والذات الوجودية. بين الماغوط داخل القصيدة والماغوط خارجها. فهو يمارس لعبة التخفّي من الذات، ليعاين نفسه في المرآة. إنه يتمرأى ليمارس طقوس التجرد من الذاتية الخانقة، يرشّح نفسه لتطلّ على ذاته من الخارج. فيهدي نفسه وردة. إنه يحاول أن يداوي جرح الذات بأن ينفصل عنها فيتخذ مسافة منها تجنّبه الوقوع في عدوى الكآبة. هذه الكآبة التي يعدّ زقاق أنا المتكلم في القصيدة (لكيلا أقول الشاعر) مصنعا لإنتاجها.
فالكآبة والغربة معنيان يحيقان بالشاعر في أعطاف القصيدة ولا يزولان عنه حتى وهو يضع آخر لمسة في النصّ، فإذا به يحملها معه خارج النصّ وهو يظنّ نفسه قد أقفل دونها باب القصيدة، وإذا بباب توما بابا مترعا على الحزن والفرح، على السعادة وعلى الشقاء...، بابا لتأبيد الألفة بين الذات والقصيدة.
شوارد
أسئلة الإبداع في الفكر والنقد
جاءت فكرة إنشاء منبر للفكر والنقد والعلوم الإنسانية والاجتماعية، تحتضه جريدة الوطن الغراء، كي تسدّ نقصا – نراه حاصلا – في الصفحات الثقافية المحلية والعربية، عئموما إلا فيما ندر. ولا نهدف من خلال هذا الفضاء أن نحول الجريدة عن هدفها الإعلاميّ التثقيفيّ إلى تحقيق غاية اكاديمية بحتة، بل يتعلق الأمر بانفتاح الصحيفة على المعارف الإنسانية التي تشكل فسيفساء الفكر الإنساني في مختلف تجلياته الإبداعية والنقدية والفلسفية.
ويجد القارئ في هذه الصفحة عناصر متجددة ومتكاملة تحاول أن توفر له بانوراما شاملة للفكر والفلسفة والنقد والمطارحات في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتتراوح هذه المساهمات في شكل أسئلة حارقة وإشكاليات وملفات وحوارات وعرض كتب ومراجعات نقدية وتعريفات مفهومية ومداخلات منهجية وترجمات مختارة، ... تساهم جميعها في بلورة رؤى عميقة ومتنوعة ومنفتحة للمشهد الفكريّ الإنسانيّ، في وقتنا الراهن.
وتحاول هذه الرؤية الاستشرافية أن تبذل وسعها في تثقيف القارئ دون إلقاء الدروس الأكاديمية الجاهزة، أو مخاطبته من عل، بل هي محاولات لتقريب الشقة بين ما ترسخ في الاعتقاد العامّ من تكريس البعد النخبوي لهذه المقاربات وما يمكن إنجازه من تذليل لصعوبات التقبل، كي تصبح هذه المسائل أمرا يخرج عن مجرد التعبير المنمّط ذي الأركان الجامدة والجاهزة، إلى مجال أرحب من التفاعل والتقارب الفكريّ الحميم.
والملاحظ أنّ الساحة البحرينية، ساحة ثرية بالمعنى الثقافي، لكن نحن بإزاء تناقضات وتفاوت بين "المخصصات" الاعتبارية – إن صحت العبارة – لمختلف هذه المناحي. فالفكر النظري والفلسفي، على سبيل المثال، لا يجد محلا معتبرا، على خلاف المساهمات التي تهتم بكل ما هو شأن سياسي أو اجتماعي. طبعا لا يعني هذا القول حصول قطيعة بين الاتجاهين النظري والعملي، بل يتعلق الأمر بالافتقار إلى إعطاء الناحية التنظيرية والتحليلية النقدية المجال الذي تستحق، قصد تكملة المشهد الثقافي بمفردات طريفة ومفيدة.
صحيح أننا نشهد – على الصعيد العربي عموما – ضعفا في إنتاج الأفكار والنظريات ومناويل التفكير التي تنتجها المجتمعات المتطورة، لكن الضعف في إنتاج الأفكار لا ينبغي أن يحجب عنا روح الإبداع التي يتسم بها قطاع كبير من مثقفي الأمة. من هنا وجب استعادة الدور الحضاري، عبر نقد الذات المنعكفة على نفسها، والعمل على الانفتاح العقلاني على واجباتنا في هذه المرحلة من التاريخ.
إدجار موران
تحليل الأفكار
فلسفة التعقد لإدجار موران
نشير بادئ ذي بدء إلى أنّ إدجار موران، فيلسوف فرنسي، متعدد الإسهامات في حقول الفكر التربوي والفلسفي والإبستيمولوجي، وله إصدارات غزيرة. منها مشروعه الذي اعتنى فيه بإصلاح الفكر والسياسة ، قصد تجاوز الأزمة العولمية الحالية. وأجزاء المشروع الخمسة وهي: - طبيعة الطبيعة، حياة الحياة، معرفة المعرفة، الأفكار، الهويّة الإنسانية- طبعت من سنة1977 إلى سنة2001( في دار سويSeuil بباريس).
ويختلف المعرّبون في ترجمة فلسفته فمنهم من يدعوها فلسفة التعقد ومنهم من يسميها الفكر المركّب.
ويقول مترجما كتابه "الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب" في معرض تقديمهما مبررات ترجمتهما لفكر هذا الفيلسوف: " يمثل [فكر الرجل] لحظة أساسية داخل الفكر الغربي المعاصر" ويشيران إلى أنّ هذا الكتاب بالذات "يقدّم بشكل مكثف الأطروحات المركزية لصاحبه (ومواقفه من الحقل الإبستيمولوجي والعلمي المعاصر، وتصوره للأخطار الجذرية الثاوية في قلب هذا الحقل، ثم مشروعه لفكر بديل نذر حياته كلها لرسم معالمه الكبرى)" (ص5).
ولعلّ أولى الملاحظات التي تطرح على بساط النظر، تتمثل في رفض التبسيط الساذج الذي يتم وضعه في بديلا للعمق الذي يتسم به الفكر الفلسفيّ، في معظم الأحيان. ومن هنا يأتي رفض السطحية في التعامل مع القضايا.
ومن خلال اعتماد رؤية متعددة المنظورات يتم تجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تعطي فكرة ناقصة، بل أحيانا مشوهة عن القضية قيد الدرس.
ومن ثمة فإنّ نظرية موران الفلسفية تتجنب مزالق التبسيط المخلّ والنظرة الأحادية الجانب، ومن هنا تبرز أهمية اعتماد المقاربة التعقدية أو المركبية.
مقاربات
هشام جعيط ناقدا للاستشراق
صابر الحباشة
بحسّ المؤرخ اليقظ ينبري هشام جعيط قارئا أدق لحظات التاريخ الإسلامي وأحرجها وأعسرها على الأخذ بزمام الموضوعية والإنصاف. ولكن تجرّد العالم قد صبغ عمل هذا المؤرخ التونسي الخبير والحصيف، فجعل يقرأ "الفتنة" قراءة "وجودية" لا تميل نحو إرسال الأحكام جزافا، بل لقد حاول فيها أن يتلبس بالظروف الموضوعية المادية والنفسية التي أحاطت بالوقائع، وباستنطاق النصوص المتوافرة، سواء منها التي نقلت عن الأطراف التاريخية الفاعلة أو المؤولة لها من مؤرخين عربا ومستشرقين، ليخرج برؤية أقرب ما تكون إلى تسليط الضوء الكاشف من غير تبئير أيديولوجيّ يجور على التاريخ ويعدل عنه إلى التوظيف الساذج أو التعالم الفجّ ...
وكذلك فعل جعيط عندما باشر مشروعه في قراءة السيرة النبوية قراءة لا تبقى عالة على استرداد المدونات القديمة و/ أو الحديثة (خاصة الاستشراقية منها) مختطا لنفسه مسلكا – يكاد يكون ميزة لدى أشهر مؤرخي تونس وأبرعهم منذ ابن خلدون مرورا بابن أبي الضياف ووصولا إلى حسن حسني عبد الوهاب – ألا هو مباشرة الظاهرة الإنسانية، دون إهمال لالتباساتها وحيثياتها، في عروج من الواقعة التفصيلية إلى التجريد الفكري الراقي، القائم على تقليب الأمور تقليبا يغوص على الاستنتاجات الطريفة، لا تخشى في إبداء ثغرات المتعاطين لهذا القطاع المعرفي لومة لائم، من ذلك أن المسعودي والطبري، على ذيوع صيتهما مؤرخين، لم يكونا بعيدين عن سهام ابن خلدون الناقدة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هشام جعيط حيث ينقد المستشرقين الذين تعرضوا بالدرس لقضية النبوة وترجموا القرآن إلى لغاتهم الأوروبية نقدا يبيّن حدود معرفتهم، دون أن يرميهم بالتعصب ولا أن يقع تجاه ما وقعوا فيه في تعصّب مضادّ. فما يستوقفك في تعاليق كتابه "الوحي والقرآن والنبوة" (الصادر في طبعة ثانية عن دار الطليعة، بيروت، 2000) أنه يبيّن القصور في رؤى المستشرقين ويثير الإشكاليات التي طرحوها، مبرزا أنها ناشئة في كثير من الأحيان عن عدم تذوق اللسان العربي، ولكن الروح العلمية التي تستوقف القارئ تتمثل في أن التفطن إلى أخطائهم لم تَدْعُهُ إلى السخرية منهم أو إخفاء كلّ جهودهم "العلمية" – في ضرب من الشماتة التي قد تصدر عن قصيري النظر، ممن يرون الطعن على المستشرقين جزافا مرقاة سهلة للحصول على شهادة البلاء الحسن في خدمة قضايا الأمة ...
أمّا جعيط فقد عمد إلى النزاهة في تقييم هؤلاء ملتمسا لهم العذر بجهلهم، والأمثلة على ذلك عديدة نأخذ بعضها، نحو قول بعض المستشرقين إنّ "سدرة المنتهى" المذكورة في سورة النجم، هي موضع بمكة، فيتصدى هشام جعيط إلى هذا الرأي الخاطئ، مبرزا هؤلاء المخطئين: رجيس بلاشير المستشرق الفرنسي (Blachère) في ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ومن بعده باريه (R.Paret) في تفسيره. ويعلق جعيط: "[إن اعتبار "سدرة المنتهى" موضعا بمكة] فكرة ضعيفة تنم عن عدم فهم لمعاني القرآن ومفاهيم المتناهي واللامتناهي (l´infini). كما كانوا قاصرين عن تذوق بلاغة القرآن وهذا شأن فون غرونباوم(Von Grunebaum) ورودنسون (Rodinson) أخيرا فان إس (Van Ess) الذي اعتبر أنّ ما جاء في الفترة المدنية غير موحى به لـ"ركاكته". وهذا الحكم خاطئ، كما أنّ الوحي في جميع الأديان لا يُقاس بالضرورة بالفصاحة الغريبة، شأن السور الأولى. ومن الصعب حقا معرفة اللغات إذا لم يتربَّ الإنسان في كنفها من الصغر. والحقيقة أيضا أنّ تفاسير المسلمين القدامى ضعيفة وسقيمة باستثناء الطبري ولا يعيننا كثيرا على فهم القرآن" (ص119، الحاشية رقم34.)
إنّ هذا التعليق على قصره، حمّال لدلالات كثيرة، تبين خصال المؤرخ الملتزم بالإنصاف بالنظرة الشمولية وبآداب الرد العلمي المقنع وبتغليب الرؤية الموضوعية مكان المهاترات السجالية. لم يقع هذا الباحث التاريخيّ في شرك اتهام النوايا، حول ما يمكن أن يُزعم من تآمر لزمرة المستشرقين على إساءة قراءة تاريخ الإسلام، هكذا بشكل عامّ ودون أدلّة، بل رجما بالغيب. وبالمقابل نجد جعيط يعطينا مثالا لمجادلة القوم بالسلاح المنهجي الذي يعتصمون به، وهو سلاح علمي متطور، دون أن يبقى صاحبنا أسير نظرة دونية لا للآخر المتفوق حضاريا – الآن وهنا – ولا عبدا لنظرة حنين طوباوي لتراث تالد. بل بنقد الذات ونقد الآخر، يمكن الإسهام في إنتاج المعرفة العلمية المنفتحة. فإذا كانت النخبة المتخصصة من الغرب تقع في مثل هذه الأخطاء و"السقطات" التاريخية، فلا تسل عن عوامهم، وحتى ساستهم، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى تعريف الآخر بنا – دون الاعتماد فقط على النهج الدعائيّ والقائم على اجتهادات فردية معزولة – بل باعتماد وسائل علمية مدروسة ومُمأسسة...
والناظر في خصال جعيط العلمية التي تبرز عبر متن الكتاب وحواشيه، يقف على حسن إحاطة بالديانات السماوية الأخرى بشكل يجعله يقف بيسر على الأشباه والنظائر بينها وبين الإسلام، دون أن يحتاج إلى المنافحة المجانية عن قيم الإسلام، فمقام القول هو التأريخ الموضوعي لقضايا فكرية وفلسفية شائكة تحتاج إلى التروي وشحذ الدليل أكثر منها إلى الاندفاع الوجداني الأعمى.
ولعل إنتاج مثل هذا الخطاب التاريخي، يحاور التراث ويراجع قراءات الاستشراق ويغري الذات الجمعية بتقديم خطوات أخرى نحو فحص المسلمات ونقد الثوابت، يمكن أن يشكّل رصيدا علميا يرفع رهان المعاصرة المتجذرة في انتمائها – بشكل واع لا غائم أو تقريبي أو سكوتي – وتجاوز حالة تبادل التمركز الثقافي مع الآخر الغربي، إذ نبادله انطواء بانطواء وتجاهلا بتجاهل، ... بل نقرأ تاريخنا وتاريخه ونقف على الأحجار الكأداء لإزالة ما يرين على الواقع من "التباس حضاري" فاجع، راكمته وقائع فردية يتم تعميمها – سلبيا – خدمة لقطيعة وبتر بين أوصال العالمين بقصد فرض أمر واقع قوامه تسويق المشاريع التي لا نستشار وهي تُحاك بمداد خرائطنا وعلى ظهر أراضينا.
قد يكون حظّ التاريخ إشارات ضمنية إلى الواقع، دون التوغل في قراءته بأدوات المؤرخ الصالحة لخبرة الماضي لا لاختبار الحاضر، ولكن الدرس المستفاد، من مثل محاولات هشام جعيط، وأضرابه من المخلصين للعلم التاريخي، أن الوقت لم يعد مناسبا لسردية أيديولوجية غوغائية، بقدر ما نحن أمام رهان فهم الواقع بعين تحسن سبر أغوار المقاصد الاستراتيجية، دون الوقوع في عمليات جس النبض العرضية.
قد لا يكون التفوق العسكري، سوى نتيجة لتفوق علمي واقتصادي وتعليمي، ... ولا يتحقق ذلك سوى بتجسير قنوات معرفة دوائر البحث والتخطيط وإنتاج المعرفة عالميا ولم لا تكون لنا إسهاماتنا الكونية في هذه النطاقات، لا في شكل أفراد يذوبون وينصهرون، بل في شكل مؤسسات بحثية وجامعية، متخصصة ولا سيما في العلوم الإنسانية وتكون عالمية موضوعية.
النص المرصود
القصيدة:
أغنية لباب توما
محمد الماغوط
حلوه عيونُ النساءِ في باب توما
حلوه حلوه
وهي ترنو حزينةً إلى الليل والخبز والسكارى
وجميلةٌ تلك الأكتافُ الغجريةُ على الاسّره..
لتمنحني البكاء والشهوة يا أمي
ليتني حصاةٌ ملونةٌ على الرصيف
أو أغنيةٌ طويلةٌ في الزقاق
هناك في تجويفٍ من الوحلِ الأملس
يذكرني بالجوع والشفاه المشرده ،
حيث الأطفالُ الصغار
يتدفقون كالملاريا
أمام الله والشوارع الدامسه
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
أشتهي أن أقبِّل طفلاً صغيراً في باب توما
ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فأنا ما زلتُ وحيداً وقاسياً
أنا غريبٌ يا أمي.
القراءة:
إنّ قصائد محمد الماغوط الرائعة تلهمك العودة إلى الحقيقة العارية، الحقيقة التي لا تتدثر بكذب الشعراء ولا بحذلقة الخطباء ولا بأفانين البلغاء. حقيقة وجودية تراجيدية ملساء من فرط طزاجتها. تتلوى في ترنح بين الحياة والموت. إنه يكتب الشعر بالدم لا بالحبر. دوره أن يصنع من اللغة وجودا، ويحيينا على إيقاع عبارة لا يحسن الشعراء ترتيلها علينا: في البدء كانت القصيدة.
و"أغنية لباب توما" تحتفي برصيد هائل من الرموز والإشارات التي أرى أنها تلتقي في عبارة مفتاحية واحدة: فلْنسمِّها "شعرية البدائية".
كيف يصبح العراء والفقر والحزن والغربة واليتم... معاني جميلة تصنع الشعرية وتولّد الإبداع؟ ليس بيننا وبين الشاعر الحق سوى حذق فن التحويل، تحويل الكائنات اللغوية من كائنات صماء جوفاء عمياء إلى كائنات جميلة أليفة طريفة. ذاك هو السر في التركيب والنظم، بالمعنى الذي أوقفنا عليه عبد القاهر الجرجاني، فالكلمة لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في سياقها الذي يستجلبها وتنحشر فيه، فلا تغادره فقد التحمت به وتولدت بينها وبينه أواصر القرابة ووشائج الصلات.
وشعرية النثر أعسر صناعةً وتقبُّلا، لأنها تكسر الرتابة التي تعوّدت عليها الأذن (الإيقاع العروضي) وتُذيب الذائقة الشعرية التقليدية (نظام التخييل المعهود ومواضع القول المطروقة أو ما سُمي بـ"عمود الشعر"). فكيف تُقنع الآخر المتكلّس في رفوف القدامة بأنّ ما أتاه محمد الماغوط في هذا النصّ يقطر شعرية ويذوب فنّا وعذوبة!!
قديما قال أبو تمام "لم لا تفهم ما يقال؟" ومنه انطلق أدونيس في زحفه نحو الأقاصي، غير أنّ الأسرار التي تكتنف شعرية الماغوط لا تأتينا من قِبَل الغموض أو الإبهام (مثل أدونيس)أو الرموز الأسطورية (مثل السياب، وإن كان غير نثريّ الشعر بل هو حُرّه)، بل تأتينا من جهة فرط سذاجته ومكره وانقضاضه على مواضع القول المتروك للغة الغفل المنسية، وهو الركن القصيّ المهمل المتبقّي ممّا تعاوره البلاغيون والأسلوبيون والإنشائيون والسيميائيون والبنيويون... بالتحليل والتمحيص والدرس والتنميط.
إنه السهل الممتنع: تقول هذا ولا أبسط منه، فإذا به يتمرّد على محاولاتك التي تتكرر وتتكرر دون جدوى. رحيق مختوم من اللفظ السهل المنقاد، والصور الشفافة، ولكنها على هشاشة تذكرك بأجنحة الفراش الجميلة بعيدةً، فإذا قبضت عليها أفسدتها وقتلتها.
يقتنص الشاعر من الصور أبسط التفاصيل ولا يُعنى بالجلل من الأمور، فقد ترك لذوي المواهب الكبيرة أن يُعنوا بالشأن العامّ، أمّا هو فقد رضي بالاشتغال على مملكته الصغيرة، فطفق يعمل في ورشته الصغيرة على تخليق صور بسيطة رفيعة رقيقة:
"ليتني حصاة ملوّنة على الرصيف"
إنّ النصّ لا يُشظّى، فهو لحمة واحدة ولكنّ لالتقاط شذرات من شعريته يمكن اتخاذ بعض النماذج. أليس التمني ههنا لأن يكون شيئا حقيرا، ومعلوم أنّ التمنّي يكون في العادة لأمر مستحيل – وهو كذلك هنا – ولكنّ الناس العاديين يتمنّوْن أشياء كبيرة: أموالا، ثراء، جاها، نجاحا...، ولمّا كان "أنا" الشاعر غير عاديّ فقد اختار أن يتمنّى أن يكون شيئا حقيرا، يُداس ولا يُحتَفل بشأنه. ولكن هل يمكن أن يكون ذلك جلدا للذات؟ أو استباقا لحساب عسير يجعل الكافر يقول "يا ليتني كنت ترابا"؟
تبدو الإجابة معروضة في أعطاف النصّ مجافية لأفق التوقّع الذي ينكسر للمرّة الثانية: فقد تحطّم في المرّة الأولى عندما خاب توقّعه في محتوى الأمنية إذا كان أمرا حقيرا، وها هو يتحطم ثانية لأنّ المسألة ليست مرض نفسيّ (المازوشية) ولا لحظة توبة عابرة، بل الأمر يتعلق برغبة في معانقة الطهارة وملامسة الكائنات التي لا تحتمل هشاشتها، ألا وهم الأطفال العابرون، الذين يريد أنا الشاعر أن يحتضنهم بأن ينبسط لهم ترابا عليه يمشون ويستحيل حصاة بها يلعبون!
يقول الماغوط:
حيث الأطفال الصغار
يتدفقون مثل الملاريا
[...]
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
إنها الحيثيات التي يرى الشاعر نفسه مطالبا بسحب الإهمال المطبق عليها، ليعرّي زيف "العقلاء" وسهو "النبلاء" عن معاناة هذه الفئات الشريدة.
إنها الكتابة المناضلة التي تحتفي بالتافه اليسير. ويتولد في أعطاف النصّ نسيج من الصور والتشابيه لا عهد للشعر العربي بها. إنها تشبيهات طازجة، مستمدة من بيئة المرض والعفونة والإهمال: "مثل الملاريا"، عندما يصبح الطفل – رجل المستقبل – شبيها بمرض، فاعرف رأي الشاعر في ذلك المستقبل!
والملاحظ أنّ سلسلة الانزياحات التي يأتيها الماغوط لا تنتهي، إذ كان بوسعه أن يعبّر عن كثرة الأطفال فيقول "مثل النمل" ولكنه اختار أن يجلب صورة المرض إذ ينتشر في الجسد، ليكون التشبيه لا فقط ذا بُعد تمثيليّ وصفيّ، بل ليكون أيضا ذا عمق تشخيصيّ، يحفر في أركان الوضع المتعفّن، دون أن يجاملنا أو يجمّله.
لقد دأب الشاعر في هذه القصيدة على جمع شتات الفئات المسحوقة (النساء، الأطفال، الشعراء)، فهو يحمل قضية تبليغ مآسي هؤلاء لا بالشحن العاطفي المباشر والنبرة الخطابية المسعورة، بل بلطف الفن وشجوه العذب الأليف الذي يراوح بين جمالية القبيح ورومنسية الجميل. تلتقي في النصّ أطياف وأشباح وتتجاور أجساد وجثث، يلتقي الموت بالحياة والصحّة بالمرض: الحلاوة والمرارة في كأس واحدة تمتزجان وعلى لسان الشاعر تندلقان: إنها جدلية الوجود ونفي النفي وإكراهات الإقامة في هذا العالم المليء بالمتناقضات التي لا تنتهي ولا تحول.
شعرية المكان، ملمح بارز من ملامح القصيدة الماغوطية، فهو يحتفي بالأزقة والحواري والشوارع المظلمة، فهو على كل حال لم يغادر ثيمة المدينة باعتبارها المستنقع الذي تنصبّ فيه إكراهات الوجود البشريّ، وهنا لا نحتاج إلى الإشارة إلى أنّ طبيعة قصيدة النثر المطواع تسمح بأن تتخذ المدينة لها إطارا، في حين أنّ الشعر العمودي مجاله الأصليّ والطبيعيّ البداوة والصحراء، هناك نشأ وترعرع، فلمّا تمدّن أصابته لعنة الحداثة منذ أبي نواس وبشار وأبي العتاهية وأضرابهم.
الزقاق، الشوارع، المقهى، الكنيسة، أمكنة ذكرها الشاعر باعتبارها محلات في المدينة، ليس لها قيمة تسجيلية واقعية فحسب، بل هي تؤطّر الوجود الإنسانيّ وتحدد نطاق حركته، فالإنسان في المدينة حبيس الفضاءات المغلقة، وإن خرج منها فهو لا يطيق صبرا على العودة إليها، لذلك فالمدينة – بمنطق الشاعر المجنّح – سجن كبير، ولكنه ألِفه فأصبح يرتاح فيه لأنّ الناس معتادة على الرضوخ إلى العادات.
ولا يخفى ما لبعض هذه الأماكن من إشارات رمزية، فالكنيسة ترمز إلى الدين وهو وما يتناسق مع المكان المذكور في العنوان "باب توما" مما يحقق انسجاما بين العنوان والمتن.
وتتعدد الحواسّ التي تشترك في إحكام شعرية العبارة في هذا النص:
ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فالبصر يتجلى عبر اللون (الورديتين) والشم عبر (رائحة الثدي)، وهذا التراسل بين الحواس يشي برغبة دفينة وحنين جارف إلى العودة إلى الصبا وإلى المرحلة الطفولية الأولى، حيث يكون الإنسان غريرا لا يفقه من الدنيا شيئا، مليئا بالطهارة، إنها نوستالجيا العودة إلى المرحلة الفموية، كما صنّفها علماء النفس، حيث يشتاق الشاعر إلى أن يمتصّ ثدي الأمّ. الأمّ هذه الثيمة المتكررة رمزا وإشارة في هذا النصّ بغزارة. ولعلّنا – إن تابعنا التحليل النفسي – ذهبنا إلى اعتبار الشاعر واقعا في حالة حرمان وفقد، مما جعله يحتوي بالأم الوالدة بما هي رمز للحضن الدافئ الذي يحميه من عوادي الزمن. ومن هنا يتولد الإحساس باليتم الوجودي الذي يلاحق الشاعر، فيكون وكده أن يلاحق السعادة المنقضية والطفولة البائدة عبر توسّل اللغة من خلال التصوير والتمني والتخييل ورمزية الأمّ والمكان...
إنّ الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة المتشظية على مساحة النصّ محاكية تشظي لوحات الحياة في حارة فقيرة، يولّد لذّة التخييل المحاكي للواقع عبر الاندساس في كوات الجمال فيه ودون الانخراط في الهجاء المجانيّ على الأوضاع المزرية. بل إنّ الشاعر يلتقط الجمالية في العفوية وكلّ ما هو يوميّ معيش. إنّ القصيدة النثرية تفتح مجراها في انشقاق عن الكلاسيكية المتقعّرة في تنميط الوجوه والصور والأغراض والمعاني، بل إنّ قوام هذه القصيدة الجديدة على نقل نبض الحياة البسيطة نقلا لا يقع في التسجيل ولا التهويل أو التوظيف الإيديولوجيّ الفجّ: بل هي قصيدة ترفض وضع المساحيق، يتكلم الشاعر فيها لغة عارية من الجناس والمحسنات البديعية ومن الكليشيهات الممجوجة، دون أن يقع في رتابة الحياة وروتينيتها.
انظر هذه اللوحة:
أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
تبدو هذه اللوحة كسابقتها تعبيرا عن أمنية للشاعر في أن يتحول – ضمن رؤية أنتروبومورفية – من بشر إلى شجر أو معدن، وتتوالى الصور متراشحة وفق تقنية التداعي: حيث تجلب الصورة أختها لتتعالق في عنقود طريف من الأخيِلة السابحة في ملكوت الجمال.
يعبّر الشاعر عن واقع افتراضيّ، بصور متراكبة تراكبا عجيبا حيث تتناسل الصور دون أن يجمع شتاتها سوى خيط الإبداع، حيث ينشئ من الفوضى نظاما ومن التداعي بناء ومن الوحشيّ ألفةً ووئاما.
يغيب المعنى ويحضر في هذه التشبيهات والاستعارات المبتكرة بسلاسة دون أن يعنّيك الشاعر بالبحث طويلا في غيابات الدلالة الحافّة وظلال المعنى ومعنى المعنى... يُحوِجك فقط إلى تخدير الصرامة اللغوية التي اعتاد عليها فقهاء اللغة، كي تنتشيَ بركض الكلمات وراء المجهول / المعروف. إنّه عبث جميل بعالم نعرفه، ونكاد نلمسه، ولكنه في الحقيقة صنيعة الشاعر، قدّه من كلمات وبناه بكنايات واستعارات ودعانا لزيارته على جسر من المعاني والدلالات.
وقد يتخلص المتكلم في القصيدة من التماهي مع الشاعر، فهو في هذه اللوحة يتمنى أن يكون وردة وأن يقطفها شاعر، يقول:
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام ...
إنه الانفصام بين الذات الفنية والذات الوجودية. بين الماغوط داخل القصيدة والماغوط خارجها. فهو يمارس لعبة التخفّي من الذات، ليعاين نفسه في المرآة. إنه يتمرأى ليمارس طقوس التجرد من الذاتية الخانقة، يرشّح نفسه لتطلّ على ذاته من الخارج. فيهدي نفسه وردة. إنه يحاول أن يداوي جرح الذات بأن ينفصل عنها فيتخذ مسافة منها تجنّبه الوقوع في عدوى الكآبة. هذه الكآبة التي يعدّ زقاق أنا المتكلم في القصيدة (لكيلا أقول الشاعر) مصنعا لإنتاجها.
فالكآبة والغربة معنيان يحيقان بالشاعر في أعطاف القصيدة ولا يزولان عنه حتى وهو يضع آخر لمسة في النصّ، فإذا به يحملها معه خارج النصّ وهو يظنّ نفسه قد أقفل دونها باب القصيدة، وإذا بباب توما بابا مترعا على الحزن والفرح، على السعادة وعلى الشقاء...، بابا لتأبيد الألفة بين الذات والقصيدة.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)