مقابسات
شوارد
أزمة العقل الغربي
إنّ التناهي في الاعتداد بالعقل لدى اتجاهات في الفكر الغربي المعاصر قد أدّى إلى إقصاء القضايا الميتافيزيقية، حيث وصل الأمر بالوضعية المنطقية إلى اعتبار القضايا الميتافيزيقية لا معنى لها. ولكنّ الإنسان الغربيّ استبدل بوهم تحرّره من ربقة الميتافيزيقا ارتهانا بين يدي العقلية الاستهلاكية، وما استجلبه عصر الصورة من مآزق الاغتراب عن ذاته وعن حقيقة معنى وجوده في الكون، في ظلّ هيمنة شحن نفسيّ ومعلوماتيّ موجّه عبر وسائل الإعلام الحديثة، التي تفاقمت أدوارها، نحو خدمة مصالح، ليست في النهاية سوى مصالح فئوية، ضيقة. بعد أن أصبح يرسف في معادلات رقمية تتحدّى قدرته على التحكّم في آلياتها التي ما انفكّت تتعقّد وتتطرّف في مراقبته ومعاقبته على نحو ما وضّحته قراءات ماركوز النقدية المندّدة بالإنسان ذي البعد الواحد والفلسفة الفوكولتية التي تفضح ميكروفيزيائية السلطة التي وظّفت العلم للسيطرة على الإنسان، حتى أنّ مؤسسات المجتمع قد أضحت مولّدات لإيديولوجيا قمع مُقنَّع، كما يشير إلى ذلك لوي ألتوسير، وأصبح الإنسان يعيش حالة فقدان المعنى، بعد انحسار البُعد الروحيّ، واتساع دائرة المادة التي تمّ إحكام قبضة القوى السلطوية عليها، ففقد الإنسان تبعا لهذا التحليل قيمته وتشيّأ وجوده في هذا العالم.
من هنا تتحتم ضرورة معالجة العودة إلى الخطاب العقلي والديني في تواشج ينأى عن التقارع والتصادم، ويجنح إلى خلق معادلة جديدة قوامها التعايُش والتحاور. ولعلّ التخلّي عن وسم الشعور الدينيّ بالضعف والمرض، مثلما دأبت على ذلك فلسفات القوة (فلسفة نيتشه، واستتباعاتها من رؤى راديكالية عنصرية وقوموية وعرقية أو اشتراكية فوضوية )، والتخلّي عن وسمه بالعنف الرمزي (مثلما تتبنّى ذلك كثير من الخطابات العلمانية واللائكية التي تعتبر إقصاء العقل الدينيّ، عن دائرة الفعل الاجتماعي، عبر الفصل بين الدين والدولة، بشكل حدّيّ صارم، شرطا ضروريا، لتحقيق النهضة)، هو شرط الإسهام الوسطيّ للعقل الدينيّ في رأب الصدع الذي نجم عن اختلال التوازن العالميّ بعد انكفاء الدور التاريخيّ للإيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية، وتغوّل القطب الرأسماليّ الليبراليّ المُعَوْلـَم، الذي وصل في تحليلاته إلى رسم "نهاية التاريخ" إذا استعرنا عبارة فوكوياما.
تحليل الأفكار
محمد عابد الجابري
الفيلسوف ابن رشد
النقد الإبستيمولوجي عند محمد عابد الجابري (قراءة ابن رشد نموذجا)
المنهج هو المسألة الأساس، ونقد العقل الفقهيّ لا يتم بشكل علميّ إلا باعتماد المنهج الإبستيمولوجي، وقد اعتمد فيه محمد عابد الجابري:
1. المعالجة البنيوية : وتتلخص في معالجة فكر صاحب النص بوصفه كلا متكاملا تتحكم فيه ثوابت ويعتني بالتحولات، وقد اعتمد على النصوص التي تعود إلى ابن رشد في كشف تلك العناصر .
2. التحليل التاريخي : وهو يقوم على ربط فكر صاحب النص بمجاله التاريخي.
وقد عمل الجابري على النظر إلى ابن رشد ضمن حدود التاريخ المغاربيّ وما شهده من تحولات فكرية وسياسية واجتماعية .
3. الصراع الإيديولوجي : أي الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية وهذا واضح في ربط مشروع ابن رشد بثورة ابن تومرت التي أثمرت قيام دولة الموحّدين . ثم عمل على وصل القارئ بالمقروء من خلال حدس استشرافي في قراءة سباق التفكير ويتستر وراء مناورات التعبير وقد عمل من أجل كشف تلك المساحات التي وظفها في مشروعه النقدي للتراث.
نصوص وأطروحات
رولان بارط
ميثولوجيات: أحد كتب بارط
ميشيل فوكو
اللغة والسلطة، عند رولان بارط
اللغة سلطة تشريعية اللسان قانونها، إننا لا نلحظ السلطة التي ينطوي عليها اللسان، لأننا ننسى أن كل لسان تصنيف، وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من القهر: ordo تعني في ذات الوقت التوزيع والإرغام. هذا ما أوضحه ياكوبسون . إن كل لهجة تتعين، أكثر ما تتعين، لا بما تخول قوله بل بما ترغم على قوله. وفي اللغة الفرنسية ( وأنا أسوق هنا أمثلة لا تخلو من فظاظة)، أنا مرغم على أن أضع نفسي كفاعل قبل أن أعبر عن الفعل الذي لن يكون إلا صفة تحمل علي؛ وليس ما أقوم به إلا نتيجة تتمخض عما أنا عليه، وعلى نحو مماثل، أنا مرغم دوما على الاختيار بين صيغة التذكير والتأنيث، وليس بإمكاني على الإطلاق أن أحيد عنهما معا أو أجمع بينهما؛ ثم إنني مرغم على تحديد علاقتي بالآخر، إما باستعمال ضمير المخاطب بصيغة المفرد أنت أو بصيغة الجمع أنتم؛ وليس بإمكاني أن أترك المجال لمبادرة العاطفة والمجتمع. وهكذا فإن اللغة، بطبيعة بنيتها، تنطوي على علاقة استلاب قاهرة. ليس النطق ، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا كما يقال عادة: إنه إخضاع: فاللغة توجيه وإخضاع مُعمَّمان.
أورد عبارة لرينان ساقها في إحدى محاضراته: "إنّ اللغة الفرنسية، سيداتي سادتي، لا يمكن أن تكون البتة لسان المُحال والعبث، كما أنها لا يمكن أن تكون لغة رجعية. لا يمكن أن أتصور موقفا رجعيا يستعمل الفرنسية أداةً.." لنقل إنّ رينان، كان بطريقته الخاصة، ثاقب النظر. لقد استطاع أن يدرك أنّ اللغة لا تنحصر في ما تبلغه، وأنها يمكن أن تجتازه لتسمع عن طريقه، وبلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة للصوت الواعي المتعقل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق؛ كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. إنه كان يظن أن اللغة الفرنسية التي أبدعها العقل، بحسب اعتقاده، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره إلا ديمقراطيا. بيد أن اللسان، من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرجعي ولا بالتقدمي. إنه، بكل بساطة فاشي: ذلك لأنّ الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه.
إنّ اللغة، ما إن ينطق بها، حتى وإن ظلت مجرّد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها. إذ لا بد وأن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار: فمن ناحية اللغة جزم وتقرير: وما النفي والشك والإمكان وتعليق الحكم إلا حالات تستلزم عوامل خاصة سرعان ما تدخل هي ذاتها في عمليات التغليف اللغوي؛ وما يطلق عليه علماء اللسان الجهوية ليس إلا تكملة للغة، وما أحاول بفضله، استرحاما، التخفيف من سلطتها التقريرية القاهرة. ومن ناحية أخرى، فإن الدلائل والعلامات التي تتكون منها اللغة، لا توجد إلا بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرر وتردد. فالدليل تبعيّ مقلد؛ وفي كل دليل يرقد نموذج متحجر: ليس باستطاعتي الكلام دون أن يجر كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان. وما أن أصغ عبارة ما حتى تلتقي عندي الخانتان المذكورتان، وأكون في ذات الوقت سيدا ومسودا: إذ أنني لا أكتفي بأن ألوك ما قيل وأردده، مرتكنا بارتياح إلى عبودية الدلائل، بل إنني أؤكد وأثبت وأفند ما أردّده.
في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة. فإذا لم تكن الحرية مجرّد القدرة على الانفلات من قهر السلطة، وإنما، على الخصوص، عدم إخضاع أي كان، فلا مكان للحرية إلا خارج اللغة. بيد أن اللغة البشرية، من سوء الحظ، لا خارج لها: إنها انغلاق، ولا محيد لنا عنها إلا عن طريق المستحيل:إما بفضل الوحدة الصوفية، مثلما وصفها كيير كغارد، عندما حدد فداء ابراهيم كفعل لا مثيل له، خال من أي كلام، حتى ولو كان كلاما باطنيا، يقوم ضد شمولية اللغة وتبعيتها وطاعتها: أو بفعل أمين نيتشه الذي يشبه خلخلة مبتهجة موجهة ضد استبعاد اللغة، وما يطلق عليه دولوز رداءها الرجعي. ولكن، نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الإنسان الأعلى الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقى لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها. هذه الخيانة الملائمة، وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بإدراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا.
التحليل
بارط: اختراقات الحداثة والبنيوية
تقوم علاقة رولان بارط (1915-1980) بالبنيوية على ضرب من الغموض المدهش، شأنه في ذلك شأن ميشيل فوكو، فهما بنيويان عند الآخرين، وهما نفساهما لا يقران بهذا الانتماء ولا يعترفان به. ولكن ثمة مشابه عظيمة بين اشتغالهما واشتغال المنهج البنيوي في تحليل النصوص ونقد الأفكار.
لمن لا يعرف رولان بارط، ننقل رأي الناقد والسيميولوجي والروائي الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، مؤلف رواية "اسم الوردة"، يقول: "توجد طريقتان لكي تكون معلّما / شيخا. إحداهما أن يشتغل المعلم جاعلا حياته ونشاطه منوالين للاقتداء، وثانيتهما أن يقضي المعلم شطر حياته في بناء المناويل النظرية أو التجريبية، كي يتمكن أتباعه وتلاميذه من تطبيقها. إن بارط، بلا ريب ينتمي إلى الضرب الأول من المعلمين".
ولئن كانت شواغل بارط سيميولوجية نقدية، فقد أدلى بدلوه في طبيعة العلاقة بين اللغة والسلطة. وفي هذا النصّ يعمد بارط إلى إبراز وجهة نظره في مسألة الارتباط القسري بين اللغة والسلطة، موضحا أطروحته في هذا السياق، وهي تقول بأنّ السلطة كامنة في اللغة ولا يمكن أن تنخلع أيّ لغة من ربقة السلطة، كما لا يمكن لأيّ سلطة أن تعمل خارج نظام اللغة.
وأعجب ما نقف عليه في نصّ بارط هو تنبيهه إلى الوظيفة التحريرية للأدب، وللغة الأدبية، إذ يضطلع النص الأدبي بمهمة التملص من البعد التسلطي الذي تفرضه الإيديولوجيا على اللغة. ومن ثمة يكون البعد الجمالي في النص الأدبي مطية إلى العودة إلى إنسانية الإنسان، أي إلى تمتعه بحريته، خارج إطار التوظيف السياسي والإيديولوجي.
مقاربات
الترجمة: بما هي تلوين للأفق بالمعرفة الحديثة
المنظمة العربية للترجمة: بدايات واعدة وآفاق ممتدة
العنوان: العلم والفرضية
تأليف: هنري بوانكاريه
ترجمة: د. حمادي بن جاء بالله
هنري بوانكاريه غلاف الكتاب
د. الطاهر لبيب: مدير المنظمة العربية للترجمة
* تمهيد
هذا الكتاب هو باكورة أعمال "المنظمة العربية للترجمة" التي يديرها عالم الاجتماع الدكتور طاهر لبيب، وقد ذكر في التصدير الهدف من إنشاء هذه المنظمة، فقال:
" إنّ الهدف من إنشاء المنظمة العربية للترجمة"هو المساهمة، تحديدا، في تطوير الترجمة العربية، في اتجاه النقل السليم للمعرفة، نقلا يكون في سلامته إثراء وتطوير لاستعمال اللغة العربية نفسها. هذا الهدف المركّب يشترط، بدون شك، كفاءة مهنية، ولكنه يندرج في رؤية نهضوية حديثة ترى في حركة الترجمة رافدا ضروريا من روافد التقدم، وطنيا وقوميا."
* إشعاع المنظمة العربية للترجمة
وهذا هدف نبيل، وقد لاحظنا في أنّ ما تعرضه المنظمة العربية للترجمة من كتب يُعدّ، بالفعل، علامات مرجعية ثمينة جديرة بأن تساعد القارئ والباحث العربي على التزوّد بما لذّ وطاب من معارف عصرية في لغة الضاد، معرّبة تعريبا علميا مضبوطا. وهو ما يُحسب للمنظمة، على الرغم من أنني لا أكاد أجد مبرّرا لتعدّد الترجمات العربية للكتاب الأجنبيّ الواحد (مثل كتاب دروس في اللسانيات العامة لفارديناند دي سوسير ، ترجم 5 مرات (طبعا مع اختلاف في طريقة تعريب العنوان، وعن الفرنسية مباشرة أم نقلا عن الترجمة الإنجليزية)، وكتاب بنية الثورات العلمية لتوماس كون ترجم 3 مرات، آخرها صدر عن المنظمة العربية للترجمة) إلا انعدام التنسيق ووقوع الحافر على الحافر كما يقول النقاد القدامى، ولنا عودة إلى هذا الموضوع، بالتحليل والنقاش...
فالترجمة رهان لا يُكسب إلا في ظلّ إتقان هذا الفنّ / العلم. فكم هي كثيرة الكتب المترجمة التي يجدها القارئ أكثر استغلاقا من مظانّها الأصلية، وقد هي متعبة الترجمات التجارية المتسرعة التي تجافي أهدافها مطلب إسعاف القارئ العربي بأداة معرفية موثوقة. ولذلك فقد أشار الدكتور طاهر لبيب في تصديره المذكور آنفا إلى أنّ المنظمة العربية للترجمة " لا تهدف إلى الربح" بل هي "مؤسسة علمية مستقلة". وقد حددت المنظمة لنفسها منهج عمل يقوم على استشارة أهل الاختصاص ومن لهم باع في العلوم المختلفة التي تهتم المنظمة بترجمة كتب مرجعية في إطارها من أصول المعرفة العلمية (الإبستيمولوجيا) وثقافة علمية معاصرة وفلسفة وعلوم إنسانية واجتماعية وتقنيات وعلوم تطبيقية وآداب وفنون ولسانيات ومعاجم. وهذه النواحي التي تعمل المنظمة على تغذية المكتبة العربية فيها، تحتاج بالفعل إلى مساندة، فالحق يقال أنّ التعريب الجيد لا بديل عنه لمواكبة الثورات المعرفية التي تظهر هنا وهناك بلغات حية من إنجليزية وفرنسية وألمانية... ونحن نعلم أنّ الإحصائيات تقول إنّ دولة أوروبية واحدة (وهي إسبانيا) تترجم أكثر من مجموع ما تترجمه الدول العربية مجتمعةً، كما لا يخفى على الباحثين أنّ العربية لغة تتميز– علميا، ودون تحيز إيديولوجي – بالدقة والجمال، لكن يجب أن نعطي للقوس باريها، فلا يقوم بالترجمة كل من هب ودب، بل يستشار أهل الاختصاص ويُكلفون بإنجاز مثل هذه الأعمال الجليلة.
* في تقريظ الترجمان
وهذا ما فعلته المنظمة العربية للترجمة، حيث افتتحت سلسلة كتبها بترجمة للدكتور حمادي بن جاء بالله (أستاذ الفلسفة والإبستيمولوجيا بالجامعة التونسية) وهو علَم نبغ لا في تدريس الفلسفة منذ كان يعمل في التعليم الثانوي في منزل تميم، في السبعينات فحسب، بل أسهم أيضا في مشروع تعريب الفلسفة في تونس، تدريسا في التعليم الثانوي، وكان ذلك مشروعا رائدا، غذى أجيالا عديدة بالفكر النقديّ الحديث القائم على تحكيم العقل، والخروج من منطق القرون الوسطى إلى منطق العلم الحديث، حيث استعملت لغة فلسفية عربية حديثة ليست منبتّة عن تراثها الأصيل ولا منقطعة عن الأفق الفكريّ المعاصر. وللأستاذ ابن جاء بالله كتبٌ في فلسفة العلم والحداثة فضلا عن اهتمامه بفلسفة كانط وفيزياء نيوتن،اختصاصه الأصليّ، وقد جعله كل ذلك مرجعا في هذه المعارف الفلسفية والإبستيمولوجية العميقة، وفضلا عن ذلك فقد تعاون مع الأستاذ علي بلحاج مدير دار المعلمين العليا فعميد كلية العلوم بتونس في مراجعة هذا العمل، والطريف أنّ المراجع رغم تخصصه العلمي الدقيق يكتب الشعر وله ديوان شهير في تونس عنوانه "أبعاد" نشره تحت كنية علي عارف!
إنّ التعريب المتقن، يبرز امتلاك المترجم لناصية العلم المخصوص وللغتين المنقول منها(الفرنسية في سياق الحال) والمنقول لها (العربية) وهذه الخصال يقف عليها القارئ متى اطلع على الكتاب. بل لعله يسوغ لنا الحديث عن "جمالية التعريب"، لا نقصد بذلك الخروج عن النص الأصلي واللعب على جمالية العبارة بشكل مجاني، يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يفي بالمتن الأصليّ، بل أعني بذلك حسن توظيف مستويات التعبير باللغة العربية الأنيقة عن مفاهيم وأفكار علمية وفلسفية لا تخفى لطافتها ولا يذهل ذاهل عن دقتها. ولا يخفى أسلوب المترجم الفصيح سواء عندما يكتب أصالة أو عندما ينقل عن الفرنسية التي أحاط بها خبرا، وعانق مطلق الفهم لها، ويجد القارئ متعة كبيرة في قراءة ما يكتبه الأستاذ ابن جاء بالله، لأنه يغريك بفصاحة قلّما امتلكها متفلسفة العرب – ربما لجفاء متأصل في الثقافة العربية مع هذا المجال الذي ظلّ أجنبيا – ولكنه لا يكتفي بذلك بل يردفه بأفكار طريفة غير مستنسخة عن شرقيّ ولا غربيّ، بل هي أثر من تجويد النظر الحصيف في القضايا التي مارسها الباحث الترجمان في الفلسفة والعلم. ولا أحلى من تطعيم النص العربيّ بأساليب مسكوكة من القرآن الكريم، وقد أولع المترجم بذلك ولوعا، من ذلك بعض العبارات التي تنساب مسلسلة في كلامه العلميّ العميق:
- يقول، معلّقا على القائلين باستحالة استشراف حقائق الموضوعات الغائبة :" وهم رهط ذهب بهم الظن إلى أن الإيمان بالله لا يكون إلا بضرب من الانتحار العقليّ وإعلان الوصاية على الضمير الإنسانيّ، في حين يعلم العارفون بالله أن سبل الإيمان أرحب من أبواب السماء، وأكثر من أن تحصى عددا." وقد عضد هذا التمكن من الأسلوب الفصيح، نهوضه على علم واسع بالاختصاص.
* المعرفة بما هي شرط للترجمة
قدّم الأستاذ حمادي بن جاء بالله لترجمته واضعا العمل في سياقه، معرّفا بالمترجم له وهو هنري بوانكاريه وقارن بينه وبين أينشتاين (عالم الفيزياء وصاحب نظرية النسبية ) طارحا سؤالا إشكاليا: لم فشل بوانكاريه حيث نجح أنشتاين؟ ثم شرع في الإجابة عن هذا السؤال إجابة علمية منهجية. ولا يكتفي المترجم في تقديمه بإبراز العلاقة بين الفلسفة والعلم في السياق الغربي المحايث للبيئة المعرفية التي أنتجت الكتاب المترجم، بل نجده يصل القول بالفلسفة الإسلامية عائدا بشواهد من الكندي والغزالي وابن رشد ، دون أن يذهل عن الفوارق الحاسمة بين أنماط التفكير بين الفكر القروسطي والفكر الحديث، يقول: " فقد كان بوانكاريه مهموما بترميم شروخ الأنموذج النيوتني أكثر مما كان منشغلا بمواعد مستقبل النسبية التي وضع هو نفسه أركانها الوثيقة، والأقرب إلى الظن الصادق – على الأقل – أن تلك "الفلسفة الفاسدة" التي اتخذها عدّة في نضاله البطوليّ المستميت، قد تحولت بين يديه – في غفلة منه – إلى موقف نظريّ نهائيّ شدّه إلى تلك "الخُبرية – الظاهرية – الاسمانية" في حين أن الواجب فيها أن تكون مجرد مدخل إلى العلم ومسلكا تقتحمه لنتجاوزه كما هو شأنها عند غاليلي وديكارت ومن قبلهما ابن الهيثم وابن رشد والبطروجي... على ما بين علم القدامى والوسيطيين – إغريقا وعربا وأوروبيين – وعلم المحدثين ورثة الثورة الكوبرنيكية، من فوارق نوعية عميقة – موضوعات ومناهج ونتائج – هي محددات الثورة العلمية الحديثة التي أنهت العصر الوسيط – مضمونا علميا وروحا فلسفيا وتوجها لاهوتيا – وأبدعت الحداثة التي نعيشها اليوم بما لها وماعليها. وما أكثر ما عليها عندنا بحكم قعودنا عن الفوز بأسباب القوة فيها!
ويصل المترجم، إلى مرتبة نقد الواقع الفكريّ العربيّ اليوم، عبر مقارنته بما واجهه نظيره الغربي من أزمات عرف كيف يجد لها الحلول، في حين ظل الفكر العربي يتخبط، يقول: " ولكن الفكر الأوروبي تغلب دائما على محنه وعرف كيف يستمد من عمق المأساة سببا من أسباب النجاة، في حين أنّ الفكر العربيّ لم يزل يعيد إنتاج أسباب الفشل بما فيها تلك الرؤى الخبرية إبستيمولوجيا والظاهرية أنطولوجيا والاسمانية فلسفيا، من دون أن يقدر في الغالب حتى على أن يجعل تلك المسائل تدور على موضوعاتها" .
طبعا لا يعني هذا النقد الذي يوجهه المترجم إلى الفكر الفلسفي العربي، الوقوع في ضرب من ضروب جلد الذات، بل هو دعوة إلى الانخراط الإيجابي في صنع واقع الحداثة، ولا أدلّ على ذلك من استفهامه الإنكاريّ في نهاية التقديم:" وهل أصالة الوجود البشريّ إلا من الالتزام بالحقيقة والوفاء للحرية؟"
ويجد القارئ في مقدمة المترجم إحاطة بمسار هنري بوانكاريه الفكري وينظر أساسا في مراسه العلميّ وأوضاع العلم في عصره (1854-1912) إضافة إلى تأمّل رؤاه في فلسفة العلم مع تنزيل ذلك في "روح العصر" وقيمه العملية، فكان بحق من كبار علماء عصره، دون أن يبلغ درجة اقتحام "عقبة النسبية" فكان آخر المحدثين دون أن يصير أوّل المعاصرين .
* خاتمة
ولعلّ زمن نشر الكتاب يوحي، فضلا عن سائرمشاريع المنظمة العربية للترجمة، أنّ القارئ العربيّ قد أصبح في حاجة بالفعل إلى "بيت حكمة" جديد، في عصر انفجار المعارف وتسارع أنساق البحث، على الصعيد الكونيّ. وتأتي مساهمة المنظمة في تنظيم جهود الترجمة المشتتة في أقطار البلاد العربية وتوجيه المثقفين إلى مناهل ليصدروا عنها ويرتووا من معينها العذب، لا تحول بينهم وبين نصوصها الأصلية عُجمة ولا ترجمة ركيكة، على نحو ما كان منتشرا في بعض دور النشر التجارية، التي لا تسعى إلى رسم خطة إستراتيجية لتكوين رصيد بشريّ من القرّاء المحترفينن لا من القارئين العابرين العرَضيين.
إنّ الرأسمال الرمزيّ الذي تتميز به المنظمة العربية للترجمة، ممثّلا في الكفاءات التي تديرها وتعمل تحت إشرافها أو الخبرات التي تستشار وتترجم وتراجع وتتعاون مختلف أشكال التعاون، ليُبشِّر ببداية سلوك طريق جديّ نرجو المواظبة على السير في دربه لأنّه الكفيل بتحقيق نقلة نوعية في نقل المعرفة وتعريبها، بمعنى أن تكون اللغة العربية محضنا حقيقيا للمعرفة الحديثة والمعاصرة، لا يجترّ أبناؤها كرها جاهلا للعلم ونظرة سطحية للمعارف العصرية أو في أحسن الأحوال تعاملا براغماتيا عرَضيا، لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
ونعلم، حقّ العلم، أنّ نقل المعرفة مدرج ضروريّ يرتقيه المجتمع أوّلا ليتمكّن بعد تحصيله من نقد تلك المعرفة، تمهيدا لإنتاج معرفة جديدة. وهذا ما يجعل الترجمة الرصينة، بوجه من الوجوه، مرآة ترى فيها الذات "المعرفية" ما لها وما عليها، فضلا عن التوطئة للإسهام الفاعل في الحياة العلمية للمجتمع الذي تنشط فيه حركة الترجمة.
الاثنين، 21 أبريل 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق