الاثنين، 21 أبريل 2008

دلالات لسانية

مقابسات

شوارد






أسئلة الإبداع في الفكر والنقد

جاءت فكرة إنشاء منبر للفكر والنقد والعلوم الإنسانية والاجتماعية، تحتضه جريدة الوطن الغراء، كي تسدّ نقصا – نراه حاصلا – في الصفحات الثقافية المحلية والعربية، عئموما إلا فيما ندر. ولا نهدف من خلال هذا الفضاء أن نحول الجريدة عن هدفها الإعلاميّ التثقيفيّ إلى تحقيق غاية اكاديمية بحتة، بل يتعلق الأمر بانفتاح الصحيفة على المعارف الإنسانية التي تشكل فسيفساء الفكر الإنساني في مختلف تجلياته الإبداعية والنقدية والفلسفية.
ويجد القارئ في هذه الصفحة عناصر متجددة ومتكاملة تحاول أن توفر له بانوراما شاملة للفكر والفلسفة والنقد والمطارحات في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتتراوح هذه المساهمات في شكل أسئلة حارقة وإشكاليات وملفات وحوارات وعرض كتب ومراجعات نقدية وتعريفات مفهومية ومداخلات منهجية وترجمات مختارة، ... تساهم جميعها في بلورة رؤى عميقة ومتنوعة ومنفتحة للمشهد الفكريّ الإنسانيّ، في وقتنا الراهن.
وتحاول هذه الرؤية الاستشرافية أن تبذل وسعها في تثقيف القارئ دون إلقاء الدروس الأكاديمية الجاهزة، أو مخاطبته من عل، بل هي محاولات لتقريب الشقة بين ما ترسخ في الاعتقاد العامّ من تكريس البعد النخبوي لهذه المقاربات وما يمكن إنجازه من تذليل لصعوبات التقبل، كي تصبح هذه المسائل أمرا يخرج عن مجرد التعبير المنمّط ذي الأركان الجامدة والجاهزة، إلى مجال أرحب من التفاعل والتقارب الفكريّ الحميم.
والملاحظ أنّ الساحة البحرينية، ساحة ثرية بالمعنى الثقافي، لكن نحن بإزاء تناقضات وتفاوت بين "المخصصات" الاعتبارية – إن صحت العبارة – لمختلف هذه المناحي. فالفكر النظري والفلسفي، على سبيل المثال، لا يجد محلا معتبرا، على خلاف المساهمات التي تهتم بكل ما هو شأن سياسي أو اجتماعي. طبعا لا يعني هذا القول حصول قطيعة بين الاتجاهين النظري والعملي، بل يتعلق الأمر بالافتقار إلى إعطاء الناحية التنظيرية والتحليلية النقدية المجال الذي تستحق، قصد تكملة المشهد الثقافي بمفردات طريفة ومفيدة.
صحيح أننا نشهد – على الصعيد العربي عموما – ضعفا في إنتاج الأفكار والنظريات ومناويل التفكير التي تنتجها المجتمعات المتطورة، لكن الضعف في إنتاج الأفكار لا ينبغي أن يحجب عنا روح الإبداع التي يتسم بها قطاع كبير من مثقفي الأمة. من هنا وجب استعادة الدور الحضاري، عبر نقد الذات المنعكفة على نفسها، والعمل على الانفتاح العقلاني على واجباتنا في هذه المرحلة من التاريخ.
إدجار موران

تحليل الأفكار

فلسفة التعقد لإدجار موران

نشير بادئ ذي بدء إلى أنّ إدجار موران، فيلسوف فرنسي، متعدد الإسهامات في حقول الفكر التربوي والفلسفي والإبستيمولوجي، وله إصدارات غزيرة. منها مشروعه الذي اعتنى فيه بإصلاح الفكر والسياسة ، قصد تجاوز الأزمة العولمية الحالية. وأجزاء المشروع الخمسة وهي: - طبيعة الطبيعة، حياة الحياة، معرفة المعرفة، الأفكار، الهويّة الإنسانية- طبعت من سنة1977 إلى سنة2001( في دار سويSeuil بباريس).
ويختلف المعرّبون في ترجمة فلسفته فمنهم من يدعوها فلسفة التعقد ومنهم من يسميها الفكر المركّب.
ويقول مترجما كتابه "الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب" في معرض تقديمهما مبررات ترجمتهما لفكر هذا الفيلسوف: " يمثل [فكر الرجل] لحظة أساسية داخل الفكر الغربي المعاصر" ويشيران إلى أنّ هذا الكتاب بالذات "يقدّم بشكل مكثف الأطروحات المركزية لصاحبه (ومواقفه من الحقل الإبستيمولوجي والعلمي المعاصر، وتصوره للأخطار الجذرية الثاوية في قلب هذا الحقل، ثم مشروعه لفكر بديل نذر حياته كلها لرسم معالمه الكبرى)" (ص5).
ولعلّ أولى الملاحظات التي تطرح على بساط النظر، تتمثل في رفض التبسيط الساذج الذي يتم وضعه في بديلا للعمق الذي يتسم به الفكر الفلسفيّ، في معظم الأحيان. ومن هنا يأتي رفض السطحية في التعامل مع القضايا.
ومن خلال اعتماد رؤية متعددة المنظورات يتم تجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تعطي فكرة ناقصة، بل أحيانا مشوهة عن القضية قيد الدرس.
ومن ثمة فإنّ نظرية موران الفلسفية تتجنب مزالق التبسيط المخلّ والنظرة الأحادية الجانب، ومن هنا تبرز أهمية اعتماد المقاربة التعقدية أو المركبية.


مقاربات

هشام جعيط ناقدا للاستشراق
صابر الحباشة







بحسّ المؤرخ اليقظ ينبري هشام جعيط قارئا أدق لحظات التاريخ الإسلامي وأحرجها وأعسرها على الأخذ بزمام الموضوعية والإنصاف. ولكن تجرّد العالم قد صبغ عمل هذا المؤرخ التونسي الخبير والحصيف، فجعل يقرأ "الفتنة" قراءة "وجودية" لا تميل نحو إرسال الأحكام جزافا، بل لقد حاول فيها أن يتلبس بالظروف الموضوعية المادية والنفسية التي أحاطت بالوقائع، وباستنطاق النصوص المتوافرة، سواء منها التي نقلت عن الأطراف التاريخية الفاعلة أو المؤولة لها من مؤرخين عربا ومستشرقين، ليخرج برؤية أقرب ما تكون إلى تسليط الضوء الكاشف من غير تبئير أيديولوجيّ يجور على التاريخ ويعدل عنه إلى التوظيف الساذج أو التعالم الفجّ ...
وكذلك فعل جعيط عندما باشر مشروعه في قراءة السيرة النبوية قراءة لا تبقى عالة على استرداد المدونات القديمة و/ أو الحديثة (خاصة الاستشراقية منها) مختطا لنفسه مسلكا – يكاد يكون ميزة لدى أشهر مؤرخي تونس وأبرعهم منذ ابن خلدون مرورا بابن أبي الضياف ووصولا إلى حسن حسني عبد الوهاب – ألا هو مباشرة الظاهرة الإنسانية، دون إهمال لالتباساتها وحيثياتها، في عروج من الواقعة التفصيلية إلى التجريد الفكري الراقي، القائم على تقليب الأمور تقليبا يغوص على الاستنتاجات الطريفة، لا تخشى في إبداء ثغرات المتعاطين لهذا القطاع المعرفي لومة لائم، من ذلك أن المسعودي والطبري، على ذيوع صيتهما مؤرخين، لم يكونا بعيدين عن سهام ابن خلدون الناقدة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هشام جعيط حيث ينقد المستشرقين الذين تعرضوا بالدرس لقضية النبوة وترجموا القرآن إلى لغاتهم الأوروبية نقدا يبيّن حدود معرفتهم، دون أن يرميهم بالتعصب ولا أن يقع تجاه ما وقعوا فيه في تعصّب مضادّ. فما يستوقفك في تعاليق كتابه "الوحي والقرآن والنبوة" (الصادر في طبعة ثانية عن دار الطليعة، بيروت، 2000) أنه يبيّن القصور في رؤى المستشرقين ويثير الإشكاليات التي طرحوها، مبرزا أنها ناشئة في كثير من الأحيان عن عدم تذوق اللسان العربي، ولكن الروح العلمية التي تستوقف القارئ تتمثل في أن التفطن إلى أخطائهم لم تَدْعُهُ إلى السخرية منهم أو إخفاء كلّ جهودهم "العلمية" – في ضرب من الشماتة التي قد تصدر عن قصيري النظر، ممن يرون الطعن على المستشرقين جزافا مرقاة سهلة للحصول على شهادة البلاء الحسن في خدمة قضايا الأمة ...
أمّا جعيط فقد عمد إلى النزاهة في تقييم هؤلاء ملتمسا لهم العذر بجهلهم، والأمثلة على ذلك عديدة نأخذ بعضها، نحو قول بعض المستشرقين إنّ "سدرة المنتهى" المذكورة في سورة النجم، هي موضع بمكة، فيتصدى هشام جعيط إلى هذا الرأي الخاطئ، مبرزا هؤلاء المخطئين: رجيس بلاشير المستشرق الفرنسي (Blachère) في ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ومن بعده باريه (R.Paret) في تفسيره. ويعلق جعيط: "[إن اعتبار "سدرة المنتهى" موضعا بمكة] فكرة ضعيفة تنم عن عدم فهم لمعاني القرآن ومفاهيم المتناهي واللامتناهي (l´infini). كما كانوا قاصرين عن تذوق بلاغة القرآن وهذا شأن فون غرونباوم(Von Grunebaum) ورودنسون (Rodinson) أخيرا فان إس (Van Ess) الذي اعتبر أنّ ما جاء في الفترة المدنية غير موحى به لـ"ركاكته". وهذا الحكم خاطئ، كما أنّ الوحي في جميع الأديان لا يُقاس بالضرورة بالفصاحة الغريبة، شأن السور الأولى. ومن الصعب حقا معرفة اللغات إذا لم يتربَّ الإنسان في كنفها من الصغر. والحقيقة أيضا أنّ تفاسير المسلمين القدامى ضعيفة وسقيمة باستثناء الطبري ولا يعيننا كثيرا على فهم القرآن" (ص119، الحاشية رقم34.)
إنّ هذا التعليق على قصره، حمّال لدلالات كثيرة، تبين خصال المؤرخ الملتزم بالإنصاف بالنظرة الشمولية وبآداب الرد العلمي المقنع وبتغليب الرؤية الموضوعية مكان المهاترات السجالية. لم يقع هذا الباحث التاريخيّ في شرك اتهام النوايا، حول ما يمكن أن يُزعم من تآمر لزمرة المستشرقين على إساءة قراءة تاريخ الإسلام، هكذا بشكل عامّ ودون أدلّة، بل رجما بالغيب. وبالمقابل نجد جعيط يعطينا مثالا لمجادلة القوم بالسلاح المنهجي الذي يعتصمون به، وهو سلاح علمي متطور، دون أن يبقى صاحبنا أسير نظرة دونية لا للآخر المتفوق حضاريا – الآن وهنا – ولا عبدا لنظرة حنين طوباوي لتراث تالد. بل بنقد الذات ونقد الآخر، يمكن الإسهام في إنتاج المعرفة العلمية المنفتحة. فإذا كانت النخبة المتخصصة من الغرب تقع في مثل هذه الأخطاء و"السقطات" التاريخية، فلا تسل عن عوامهم، وحتى ساستهم، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى تعريف الآخر بنا – دون الاعتماد فقط على النهج الدعائيّ والقائم على اجتهادات فردية معزولة – بل باعتماد وسائل علمية مدروسة ومُمأسسة...
والناظر في خصال جعيط العلمية التي تبرز عبر متن الكتاب وحواشيه، يقف على حسن إحاطة بالديانات السماوية الأخرى بشكل يجعله يقف بيسر على الأشباه والنظائر بينها وبين الإسلام، دون أن يحتاج إلى المنافحة المجانية عن قيم الإسلام، فمقام القول هو التأريخ الموضوعي لقضايا فكرية وفلسفية شائكة تحتاج إلى التروي وشحذ الدليل أكثر منها إلى الاندفاع الوجداني الأعمى.
ولعل إنتاج مثل هذا الخطاب التاريخي، يحاور التراث ويراجع قراءات الاستشراق ويغري الذات الجمعية بتقديم خطوات أخرى نحو فحص المسلمات ونقد الثوابت، يمكن أن يشكّل رصيدا علميا يرفع رهان المعاصرة المتجذرة في انتمائها – بشكل واع لا غائم أو تقريبي أو سكوتي – وتجاوز حالة تبادل التمركز الثقافي مع الآخر الغربي، إذ نبادله انطواء بانطواء وتجاهلا بتجاهل، ... بل نقرأ تاريخنا وتاريخه ونقف على الأحجار الكأداء لإزالة ما يرين على الواقع من "التباس حضاري" فاجع، راكمته وقائع فردية يتم تعميمها – سلبيا – خدمة لقطيعة وبتر بين أوصال العالمين بقصد فرض أمر واقع قوامه تسويق المشاريع التي لا نستشار وهي تُحاك بمداد خرائطنا وعلى ظهر أراضينا.
قد يكون حظّ التاريخ إشارات ضمنية إلى الواقع، دون التوغل في قراءته بأدوات المؤرخ الصالحة لخبرة الماضي لا لاختبار الحاضر، ولكن الدرس المستفاد، من مثل محاولات هشام جعيط، وأضرابه من المخلصين للعلم التاريخي، أن الوقت لم يعد مناسبا لسردية أيديولوجية غوغائية، بقدر ما نحن أمام رهان فهم الواقع بعين تحسن سبر أغوار المقاصد الاستراتيجية، دون الوقوع في عمليات جس النبض العرضية.
قد لا يكون التفوق العسكري، سوى نتيجة لتفوق علمي واقتصادي وتعليمي، ... ولا يتحقق ذلك سوى بتجسير قنوات معرفة دوائر البحث والتخطيط وإنتاج المعرفة عالميا ولم لا تكون لنا إسهاماتنا الكونية في هذه النطاقات، لا في شكل أفراد يذوبون وينصهرون، بل في شكل مؤسسات بحثية وجامعية، متخصصة ولا سيما في العلوم الإنسانية وتكون عالمية موضوعية.

النص المرصود
القصيدة:
أغنية لباب توما
محمد الماغوط


حلوه عيونُ النساءِ في باب توما
حلوه حلوه
وهي ترنو حزينةً إلى الليل والخبز والسكارى
وجميلةٌ تلك الأكتافُ الغجريةُ على الاسّره..
لتمنحني البكاء والشهوة يا أمي
ليتني حصاةٌ ملونةٌ على الرصيف
أو أغنيةٌ طويلةٌ في الزقاق
هناك في تجويفٍ من الوحلِ الأملس
يذكرني بالجوع والشفاه المشرده ،
حيث الأطفالُ الصغار
يتدفقون كالملاريا
أمام الله والشوارع الدامسه
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
أشتهي أن أقبِّل طفلاً صغيراً في باب توما
ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فأنا ما زلتُ وحيداً وقاسياً
أنا غريبٌ يا أمي.
القراءة:

إنّ قصائد محمد الماغوط الرائعة تلهمك العودة إلى الحقيقة العارية، الحقيقة التي لا تتدثر بكذب الشعراء ولا بحذلقة الخطباء ولا بأفانين البلغاء. حقيقة وجودية تراجيدية ملساء من فرط طزاجتها. تتلوى في ترنح بين الحياة والموت. إنه يكتب الشعر بالدم لا بالحبر. دوره أن يصنع من اللغة وجودا، ويحيينا على إيقاع عبارة لا يحسن الشعراء ترتيلها علينا: في البدء كانت القصيدة.
و"أغنية لباب توما" تحتفي برصيد هائل من الرموز والإشارات التي أرى أنها تلتقي في عبارة مفتاحية واحدة: فلْنسمِّها "شعرية البدائية".
كيف يصبح العراء والفقر والحزن والغربة واليتم... معاني جميلة تصنع الشعرية وتولّد الإبداع؟ ليس بيننا وبين الشاعر الحق سوى حذق فن التحويل، تحويل الكائنات اللغوية من كائنات صماء جوفاء عمياء إلى كائنات جميلة أليفة طريفة. ذاك هو السر في التركيب والنظم، بالمعنى الذي أوقفنا عليه عبد القاهر الجرجاني، فالكلمة لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في سياقها الذي يستجلبها وتنحشر فيه، فلا تغادره فقد التحمت به وتولدت بينها وبينه أواصر القرابة ووشائج الصلات.
وشعرية النثر أعسر صناعةً وتقبُّلا، لأنها تكسر الرتابة التي تعوّدت عليها الأذن (الإيقاع العروضي) وتُذيب الذائقة الشعرية التقليدية (نظام التخييل المعهود ومواضع القول المطروقة أو ما سُمي بـ"عمود الشعر"). فكيف تُقنع الآخر المتكلّس في رفوف القدامة بأنّ ما أتاه محمد الماغوط في هذا النصّ يقطر شعرية ويذوب فنّا وعذوبة!!
قديما قال أبو تمام "لم لا تفهم ما يقال؟" ومنه انطلق أدونيس في زحفه نحو الأقاصي، غير أنّ الأسرار التي تكتنف شعرية الماغوط لا تأتينا من قِبَل الغموض أو الإبهام (مثل أدونيس)أو الرموز الأسطورية (مثل السياب، وإن كان غير نثريّ الشعر بل هو حُرّه)، بل تأتينا من جهة فرط سذاجته ومكره وانقضاضه على مواضع القول المتروك للغة الغفل المنسية، وهو الركن القصيّ المهمل المتبقّي ممّا تعاوره البلاغيون والأسلوبيون والإنشائيون والسيميائيون والبنيويون... بالتحليل والتمحيص والدرس والتنميط.
إنه السهل الممتنع: تقول هذا ولا أبسط منه، فإذا به يتمرّد على محاولاتك التي تتكرر وتتكرر دون جدوى. رحيق مختوم من اللفظ السهل المنقاد، والصور الشفافة، ولكنها على هشاشة تذكرك بأجنحة الفراش الجميلة بعيدةً، فإذا قبضت عليها أفسدتها وقتلتها.
يقتنص الشاعر من الصور أبسط التفاصيل ولا يُعنى بالجلل من الأمور، فقد ترك لذوي المواهب الكبيرة أن يُعنوا بالشأن العامّ، أمّا هو فقد رضي بالاشتغال على مملكته الصغيرة، فطفق يعمل في ورشته الصغيرة على تخليق صور بسيطة رفيعة رقيقة:
"ليتني حصاة ملوّنة على الرصيف"
إنّ النصّ لا يُشظّى، فهو لحمة واحدة ولكنّ لالتقاط شذرات من شعريته يمكن اتخاذ بعض النماذج. أليس التمني ههنا لأن يكون شيئا حقيرا، ومعلوم أنّ التمنّي يكون في العادة لأمر مستحيل – وهو كذلك هنا – ولكنّ الناس العاديين يتمنّوْن أشياء كبيرة: أموالا، ثراء، جاها، نجاحا...، ولمّا كان "أنا" الشاعر غير عاديّ فقد اختار أن يتمنّى أن يكون شيئا حقيرا، يُداس ولا يُحتَفل بشأنه. ولكن هل يمكن أن يكون ذلك جلدا للذات؟ أو استباقا لحساب عسير يجعل الكافر يقول "يا ليتني كنت ترابا"؟
تبدو الإجابة معروضة في أعطاف النصّ مجافية لأفق التوقّع الذي ينكسر للمرّة الثانية: فقد تحطّم في المرّة الأولى عندما خاب توقّعه في محتوى الأمنية إذا كان أمرا حقيرا، وها هو يتحطم ثانية لأنّ المسألة ليست مرض نفسيّ (المازوشية) ولا لحظة توبة عابرة، بل الأمر يتعلق برغبة في معانقة الطهارة وملامسة الكائنات التي لا تحتمل هشاشتها، ألا وهم الأطفال العابرون، الذين يريد أنا الشاعر أن يحتضنهم بأن ينبسط لهم ترابا عليه يمشون ويستحيل حصاة بها يلعبون!
يقول الماغوط:
حيث الأطفال الصغار
يتدفقون مثل الملاريا
[...]
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام...
إنها الحيثيات التي يرى الشاعر نفسه مطالبا بسحب الإهمال المطبق عليها، ليعرّي زيف "العقلاء" وسهو "النبلاء" عن معاناة هذه الفئات الشريدة.
إنها الكتابة المناضلة التي تحتفي بالتافه اليسير. ويتولد في أعطاف النصّ نسيج من الصور والتشابيه لا عهد للشعر العربي بها. إنها تشبيهات طازجة، مستمدة من بيئة المرض والعفونة والإهمال: "مثل الملاريا"، عندما يصبح الطفل – رجل المستقبل – شبيها بمرض، فاعرف رأي الشاعر في ذلك المستقبل!
والملاحظ أنّ سلسلة الانزياحات التي يأتيها الماغوط لا تنتهي، إذ كان بوسعه أن يعبّر عن كثرة الأطفال فيقول "مثل النمل" ولكنه اختار أن يجلب صورة المرض إذ ينتشر في الجسد، ليكون التشبيه لا فقط ذا بُعد تمثيليّ وصفيّ، بل ليكون أيضا ذا عمق تشخيصيّ، يحفر في أركان الوضع المتعفّن، دون أن يجاملنا أو يجمّله.
لقد دأب الشاعر في هذه القصيدة على جمع شتات الفئات المسحوقة (النساء، الأطفال، الشعراء)، فهو يحمل قضية تبليغ مآسي هؤلاء لا بالشحن العاطفي المباشر والنبرة الخطابية المسعورة، بل بلطف الفن وشجوه العذب الأليف الذي يراوح بين جمالية القبيح ورومنسية الجميل. تلتقي في النصّ أطياف وأشباح وتتجاور أجساد وجثث، يلتقي الموت بالحياة والصحّة بالمرض: الحلاوة والمرارة في كأس واحدة تمتزجان وعلى لسان الشاعر تندلقان: إنها جدلية الوجود ونفي النفي وإكراهات الإقامة في هذا العالم المليء بالمتناقضات التي لا تنتهي ولا تحول.
شعرية المكان، ملمح بارز من ملامح القصيدة الماغوطية، فهو يحتفي بالأزقة والحواري والشوارع المظلمة، فهو على كل حال لم يغادر ثيمة المدينة باعتبارها المستنقع الذي تنصبّ فيه إكراهات الوجود البشريّ، وهنا لا نحتاج إلى الإشارة إلى أنّ طبيعة قصيدة النثر المطواع تسمح بأن تتخذ المدينة لها إطارا، في حين أنّ الشعر العمودي مجاله الأصليّ والطبيعيّ البداوة والصحراء، هناك نشأ وترعرع، فلمّا تمدّن أصابته لعنة الحداثة منذ أبي نواس وبشار وأبي العتاهية وأضرابهم.
الزقاق، الشوارع، المقهى، الكنيسة، أمكنة ذكرها الشاعر باعتبارها محلات في المدينة، ليس لها قيمة تسجيلية واقعية فحسب، بل هي تؤطّر الوجود الإنسانيّ وتحدد نطاق حركته، فالإنسان في المدينة حبيس الفضاءات المغلقة، وإن خرج منها فهو لا يطيق صبرا على العودة إليها، لذلك فالمدينة – بمنطق الشاعر المجنّح – سجن كبير، ولكنه ألِفه فأصبح يرتاح فيه لأنّ الناس معتادة على الرضوخ إلى العادات.
ولا يخفى ما لبعض هذه الأماكن من إشارات رمزية، فالكنيسة ترمز إلى الدين وهو وما يتناسق مع المكان المذكور في العنوان "باب توما" مما يحقق انسجاما بين العنوان والمتن.
وتتعدد الحواسّ التي تشترك في إحكام شعرية العبارة في هذا النص:

ومن شفتيه الورديتين ،
تنبعثُ رائحةُ الثدي الذي أرضَعَه ،
فالبصر يتجلى عبر اللون (الورديتين) والشم عبر (رائحة الثدي)، وهذا التراسل بين الحواس يشي برغبة دفينة وحنين جارف إلى العودة إلى الصبا وإلى المرحلة الطفولية الأولى، حيث يكون الإنسان غريرا لا يفقه من الدنيا شيئا، مليئا بالطهارة، إنها نوستالجيا العودة إلى المرحلة الفموية، كما صنّفها علماء النفس، حيث يشتاق الشاعر إلى أن يمتصّ ثدي الأمّ. الأمّ هذه الثيمة المتكررة رمزا وإشارة في هذا النصّ بغزارة. ولعلّنا – إن تابعنا التحليل النفسي – ذهبنا إلى اعتبار الشاعر واقعا في حالة حرمان وفقد، مما جعله يحتوي بالأم الوالدة بما هي رمز للحضن الدافئ الذي يحميه من عوادي الزمن. ومن هنا يتولد الإحساس باليتم الوجودي الذي يلاحق الشاعر، فيكون وكده أن يلاحق السعادة المنقضية والطفولة البائدة عبر توسّل اللغة من خلال التصوير والتمني والتخييل ورمزية الأمّ والمكان...
إنّ الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة المتشظية على مساحة النصّ محاكية تشظي لوحات الحياة في حارة فقيرة، يولّد لذّة التخييل المحاكي للواقع عبر الاندساس في كوات الجمال فيه ودون الانخراط في الهجاء المجانيّ على الأوضاع المزرية. بل إنّ الشاعر يلتقط الجمالية في العفوية وكلّ ما هو يوميّ معيش. إنّ القصيدة النثرية تفتح مجراها في انشقاق عن الكلاسيكية المتقعّرة في تنميط الوجوه والصور والأغراض والمعاني، بل إنّ قوام هذه القصيدة الجديدة على نقل نبض الحياة البسيطة نقلا لا يقع في التسجيل ولا التهويل أو التوظيف الإيديولوجيّ الفجّ: بل هي قصيدة ترفض وضع المساحيق، يتكلم الشاعر فيها لغة عارية من الجناس والمحسنات البديعية ومن الكليشيهات الممجوجة، دون أن يقع في رتابة الحياة وروتينيتها.
انظر هذه اللوحة:

أشتهي أن أكون صفصافةً خضراء قرب الكنيسه
أو صليباً من الذهب على صدر عذراء ،
تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين
ترفرفُ حمامتان من بنفسج
تبدو هذه اللوحة كسابقتها تعبيرا عن أمنية للشاعر في أن يتحول – ضمن رؤية أنتروبومورفية – من بشر إلى شجر أو معدن، وتتوالى الصور متراشحة وفق تقنية التداعي: حيث تجلب الصورة أختها لتتعالق في عنقود طريف من الأخيِلة السابحة في ملكوت الجمال.
يعبّر الشاعر عن واقع افتراضيّ، بصور متراكبة تراكبا عجيبا حيث تتناسل الصور دون أن يجمع شتاتها سوى خيط الإبداع، حيث ينشئ من الفوضى نظاما ومن التداعي بناء ومن الوحشيّ ألفةً ووئاما.
يغيب المعنى ويحضر في هذه التشبيهات والاستعارات المبتكرة بسلاسة دون أن يعنّيك الشاعر بالبحث طويلا في غيابات الدلالة الحافّة وظلال المعنى ومعنى المعنى... يُحوِجك فقط إلى تخدير الصرامة اللغوية التي اعتاد عليها فقهاء اللغة، كي تنتشيَ بركض الكلمات وراء المجهول / المعروف. إنّه عبث جميل بعالم نعرفه، ونكاد نلمسه، ولكنه في الحقيقة صنيعة الشاعر، قدّه من كلمات وبناه بكنايات واستعارات ودعانا لزيارته على جسر من المعاني والدلالات.
وقد يتخلص المتكلم في القصيدة من التماهي مع الشاعر، فهو في هذه اللوحة يتمنى أن يكون وردة وأن يقطفها شاعر، يقول:
ليتني وردةٌ جوريةٌ في حديقة ما
يقطفني شاعرٌ كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشب الأحمر
يرتادها المطرُ والغرباء
ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاءُ الكسوله
إلى زقاقنا الذي ينتجُ الكآبةَ والعيونالخضر
حيث الأقدامُ الهزيله
ترتعُ دونما غاية في الظلام ...
إنه الانفصام بين الذات الفنية والذات الوجودية. بين الماغوط داخل القصيدة والماغوط خارجها. فهو يمارس لعبة التخفّي من الذات، ليعاين نفسه في المرآة. إنه يتمرأى ليمارس طقوس التجرد من الذاتية الخانقة، يرشّح نفسه لتطلّ على ذاته من الخارج. فيهدي نفسه وردة. إنه يحاول أن يداوي جرح الذات بأن ينفصل عنها فيتخذ مسافة منها تجنّبه الوقوع في عدوى الكآبة. هذه الكآبة التي يعدّ زقاق أنا المتكلم في القصيدة (لكيلا أقول الشاعر) مصنعا لإنتاجها.
فالكآبة والغربة معنيان يحيقان بالشاعر في أعطاف القصيدة ولا يزولان عنه حتى وهو يضع آخر لمسة في النصّ، فإذا به يحملها معه خارج النصّ وهو يظنّ نفسه قد أقفل دونها باب القصيدة، وإذا بباب توما بابا مترعا على الحزن والفرح، على السعادة وعلى الشقاء...، بابا لتأبيد الألفة بين الذات والقصيدة.

ليست هناك تعليقات: